حكومة أم شركة جباية؟!
الكاتب: شادي زماعره
بات واضحا للجميع أن الحكومة الحالية تمارس كل أساليب الجباية، وبشكل جنوني غير مسبوق، بعد فشلها الذريع في تلبية احتياجات المواطنين، وكذبها، وعدم إيفائها بمئات الوعود التي أطلقتها منذ تسلمها التكليف حتى اليوم، فكأن المواطنين هم الذين إجبروها على إطلاق وعود وهمية، مما يبرر لها عدم تنفيذها، رغم أنها تندرج ضمن الحقوق، وليست إعجازية أو مستعصية.
والأكثر وضوحا اليوم هو الهجوم الشرس منها على جيب المواطن، لتبدو كأنها شكلت لجنة، أو استدعت خبراء على حسابنا الخاص، للبحث في سبل زيادة الجباية، وتعويض فشلها في جمع الأموال، واستعادة الدعم الدولي، الذي لا بد من أن تعوضه من جيب المواطن، وكان آخر قراراتها رفع رسوم المحاكم، واستبدال أرقام السيارات. وهذان القراران محور الحديث.
ففي قرار استبدال أرقام السيارات، لا يخفى على أحد حيثياته وأرضيته التي بدأت من قرار بيع الأرقام المميزة بمبالغ كبيرة لمن يرغب فيها. وتجديد الأرقام القديمة يعني سحب الأرقام المميزة القديمة، التي تم منحها صدفة حسب النظام المعمول به حينها؛ أي قبل قرار بيع الأرقام المميزة؛ ليتم منحها بالوساطة والاستثناءات ولمن يدفع أكثر، ولأشخاص بعينهم، لا لعامة الشعب. ومن سيدفع الثمن هو المواطن العادي البسيط، الذي سيجد نفسه مجبرا على دفع ما قيمته 82 شيكلا لكل عملية تبديل، إضافة إلى المبالغ التي يدفعها أصلا. وأكثر قهرا أنه سيضطر إلى دفع مبلغ شيكلين إضافيين للبنك الذي يحتكر العمل في دوائر السير؛ دون سند أو إيصال دفع قانوني.
لسنا ندري كيف تفكر الحكومة في إدارتها للملفات! فهي تتعامل على قاعدة أن المواطنين دون قيمة إلا إذا سطت على ما تبقى في جيوبنا... بلا فكر، ولا حق بالتفكير ولا القرار. إنها تتعامل معنا كزعيم عصابة يقرر مصيرها، ويحدد من يقتسم الغنيمة معها ومن ليس له في ماله حق. أو تتعامل كأب مقصر في عمله، فيلجأ إلى حصالة طفله التي تحتوي بضعة قروش جمعها من مصروفه ليشتري لعبة يحلم بها، بدلا من أن يعمل بجد وإخلاص.
أما قرار رفع رسوم التقاضي بالمحاكم، فهو أفشل قرار تتخذه الحكومة في تاريخها الأسود المليء بمئات القرارات السوداء؛ لأن معنى هذا القرار تعزيز فقد الثقة بالقضاء، ومزيد من ترهله، وتوسيع للهوة بينه وبين المواطن، والكثير الكثير من الفوضى والمشاكل. وهذا القرار يعني خصخصة القضاء ليكون في خدمة من يملك المال، أما من لا يملكه فله الله، أو استيفاء حقه بيده. ولو فكر أعضاء الحكومة في تطوير القضاء وأروقته، وزادت عدد القضاة، وسرعت في إنجاز القضايا، كان يمكن للمواطن أن يتقبل مثل هذا القرار، ولكنها تجبي وتجبي، والقضاء على حاله لم يتطور، والقضايا تعلق في المحاكم سنوات وسنوات!!
كان الأولى بالحكومة التي يقودها رجل اقتصاد، قبل أن تلجأ إلى جيب المواطن لتعويض فشلها في حشد الدعم، أن تبحث في ملفات الفساد، وعلى رأسها ملف توظيف أقارب المسؤولين. وأكاد أجزم أنه لا يوجد مسؤول لم يوظف جزءا كبيرا من أقاربه. وهو ملف لو نوقش وأوقف، لسد جزءا كبيرا من العجز الناجم عن إهدار المال العام. ولو فتحت الحكومة ملف سيارات المسؤولين ورفاهيتهم، وتمويل مرافقيهم من "عظام الرقبة"، وضبط أعداد الموظفين، وسد كثير من المؤسسات الحكومية التي باتت دكاكين لا داعي لوجودها، واستحدثت مؤسسات إنتاجيه، وإنشأت مستشفيات حكومية، وأهلت كوادر وإمكانات تخفف وطأة المبالغ المدفوعة على التحويلات، وأرغمت المسؤولين قبل غيرهم أن يثقوا بالجهاز الصحي الوطني، ولم تفشل في إنشاء مستشفى خالد الحسن لمعالجة السرطان ومثله كثير، وتحد من مصاريف سفارات لا داعي لوجودها في كثير من دول العالم، التي تثبت فشلها الدبلوماسي كل يوم، وتعج بالخلافات الشخصية فيها، التي تصل إلى حد الضرب... لكان خيرا لها.
وليس مستغربا من حكومة خرج رئيسها في مقابلة مصورة (يُحمل شعبه جميلة) على معاملات حكومية يدفع المواطن ثمنها، ومجانية وفحص وعلاج كورونا، وكأن كل العالم تعالج على حسابه إلا حكومتنا تكرمت علينا بمجانية العلاج ... أن تخرج وتضع ضريبة ورسوم على الهواء مستقبلا ...
لقد أطلقت الحكومة الحالية على رأسها رصاصة الرحمة، وأضهرت أن تاريخ صلاحيتها قد انتهى، وأن بقاءها رغم أنف المواطن، قد بات ضارا بالوطن وبالمواطن وبالسلطة الوطنية على حد سواء. ولو أجرى مجلس الوزراء استطلاعا مهنيا للرأي، لما خرجت علينا بكذبة 75% تأييدا لها. ويا لحسرة غياب البرلمان عن المشهد!
إن الحكومات التي تلجأ إلى جيوب المواطنين دون تقديم خدمات ترفع من شأنه، وتطور حياته، هي أفشل الحكومات في الإدارة، في ظل غياب الرقابة التشريعية؛ لأنها تستغل نفوذها في سن قوانين طوع بنان شخصياتها المتنفذين ممن حولهم، وتجبر الشعب على تنفيذها بالقوة. مثل هذه الحكومات لن يطول بقاؤها، ولن يذكرها الناس إلا بلعنة. ولا تستغربوا خلال الأيام القادمة من تصدير قرارات جباية جديدة لتعوض مزيدا من الفشل؛ فلم يعد يكفيها كل ما تجبيه، لتزيد العبء على المواطن الذي كرهها وكره حياته في ظروف لاإنسانية صعبة، إلا المسؤول الحكومي، الذي يعيش على حساب الشعب في شركة حكومة تهدف للجباية، وفق مصالح المتنفذين.

