المواطن فلسطيني!!
الكاتب: شادي زماعره
المواطن فلسطيني، صفة ليست بسيطة؛ فأن تعيش فلسطينيا على أرضك تحت احتلال وظروف استثنائية أخرى؛ من اقتصاد محاصر، إلى فرص عمل قليلة، ودخل لا يتناسب مع الغلاء، وحياة مقسومة سياسيا وجغرافيا، وتحديات كبيرة لا تعرف بدايتها من نهايتها، ومستقبل مجهول إذا ما نظرت إليه من كافة زواياه، أنت وأنا... كلانا مواطن فلسطيني، وماذا يعني أن يكون المواطن فلسطينيا؟!
أنا مواطن فلسطيني بسيط، أعيش كل يوم ليومه، لا سند لي ولا أمان، ولكن على أمل، وكم كرهت هذه الكلمة؛ لأنه لا يوجد أمل! وكم كرهت كلمة الصبر وملحقاتها؛ لأنه مطلوب مني وحدي، أما من له سند ووساطة فلا صبر له، وكل ما يريده يفصل له جاهزا.
أنا المواطن... فلسطيني، "عامل" أصحو عند الثالثة فجرا لأبحث عن قوت يومي في أرضي المحتلة، أقف ساعات على الحواجز هربا من ظلم مجتمعي، ومن بخس أجري، ومن جبروت مشغلي المحلي الذي يملأ جيوبه كلها على حسابي. أنا الذي ينظر إليه الجميع على أنه الغني الذي يجمع المال "بالشوالات"، ولا يعلمون كمية التعب والعرق والمرض والحرمان، ليلاحقوني في رزقي وكلهم عين عليه...
انا المواطن فلسطيني، "موظف" مسحوق براتب لا يسد احتياجات أسرتي، ولا الأساس منها، ومع ذلك أعيل عائلتي، وأحفظ كرامتها بعمل إضافي، لتلاحقني حكومتي لتمنعني منه، وهي التي رفعت كل الأسعار، ولا تحميني، ولا تزيد دخلي.
انا المواطن فلسطيني، "سائق" أتوه بين الطرقات وظروفها، أنهكتني الحواجز، وأتعبني غلاء المحروقات، وأصابتني الأمراض الناجمة عن الازدحامات. أنا السائق الذي تعبت من كثرة الوجوه المتعبة التي أوصلها، فأعرف كل قصص المرهقين من كل الأطياف، ولكل همه وقصته، وأنا قصتي كبيرة أواسي الناس في مصائبهم لأهونها عليهم... وما أكبر مصيبات شعبي!!
انا المواطن فلسطيني، "مزارع" أحافظ على الأرض وأحميها، كم تغنت بي حكوماتي المتعاقبة، وكم سمعت عن أخبار دعم صمودي في الإعلام... وأنا على ذات الحال، لم أر من الدعم المذكور سوى "تحميل الجمايل"، ولم أزل مكاني؛ انا الذي أبيع منتجاتي بثمن بخس لعلها تصل إلى الناس حسب مقدراتهم، وإذا دخلت السوق أجد ثمنها تضاعف عشرات المضاعفات، ولا أدري كيف ذلك، ولا إلى أين تذهب أموالي!!
أنا المواطن فلسطيني، "أب" أرهقتني الحياة؛ فلا وساطة، ولا نظرة لمستقبل أبنائي، حياتي مرة، ومسؤولياتي لا حد لها، وأقصى طموحي حياة كريمة أسعى إلى توفيرها لأبنائي، رغم أنها صعبة المنال!!
أنا المواطن فلسطيني، "تاجر" ضاقت بي الأسواق، وأثقلتني الديون والقروض، أعمل لأدفع الضرائب والجمارك وإيجارات العقارات المرتفعة في بلد بلغ الغلاء فيه حد الكفر!!
أنا المواطن فلسطيني، "طالب" كلفت عائلتي مبالغ كبيرة في جامعات الوطن، فإذا بي أنا الخريج العاطل عن المستقبل؛ لأنني لم أجد لي واسطة، ولا فرصة؛ فأنا الباحث الآن عن هجرة!!
أنا المواطن فلسطيني، "موظف في شركة" ترغمني على العمل تسع ساعات، وعليّ الوصول في الموعد، وارتداء "البدلة" التي لا تؤمن لي ثمنها، ولا تؤمن لي مواصلاتي لأكون في الموعد. راتبي أكلته الضرائب والخصومات، وهو مأكول أصلا تمضغه أسنان مشغلي!!
أنا المواطن فلسطيني "سائق" الذي يعمل اثنتي عشرة ساعة؛ أرهقتني الطرق وقلة الرواتب والاستغلال والازدحام.
أنا المواطن فلسطيني "الشاب" الذي سدت في وجهه كل الطرق، وباتوا يقتلون حلمي بوطن يحميني وكرامة.
أنا المواطن فلسطيني... ضاقت بي الحياه فلا فسحة...
أنا المواطن فلسطيني الذي ضاع بين أفكاك الانقسام والاحتلال والواقع والجغرافيا.
أنا المواطن الذي يعيش حالة غلاء في كل شيء إلا في كرامتي ودمي، ودخل يقيني غدر الزمان.
أنا المريض الذي يتوسل تحويلة طبية وينتظر موعد طبيب وساعة عملية بعد أشهر ...
أنا فلسطيني يحلم بامتلاك بيت العمر!!، والبيت أصبح حلما صعب المنال فالأرض سيطر عليها رأس المال، والعقارات أصبحت بعيدة المنال عن ذوي الدخل المعدوم!.
أنا شاب وضعت كل إمكانياتي في بيت العمر فغشني باني العقار، وعشت بين الرطوبة والعطن وسوء "التفنيش". وعندما شكوت همي للقاضي أدانني وأطلق غريمي.
أنا الفلسطيني الحر الذي حاربت الظلم في كافة أرجاء العالم، ولكني محروم من الحرية في بلدي.
أنا الفلسطيني الحالم بالديمقراطية، ولا أعرف الانتخابات إلا في أخبار الدول والاحتلال!
أنا المواطن فلسطيني رمز الصمود والشعارات والصبر والعناء ...
أنا المواطن فلسطيني ... وكفى

