ما بعد الصدمة
الكاتب: سما حسن
اكتشفت وذُهلت أنني خلال يوم السبت أي اليوم الثاني من العدوان على غزة، مر دون أن أضع في فمي حبة دواء واحدة بما في ذلك دواء الضغط والمسكنات اليومية للآلام المختلفة، والعجيب والغريب أن كل ما كان يدور حولي قد شغلني عن العبث بالصندوق الذي يقبع على طاولة بجوار سريري، ويحتوي على كل ما يخصني من أدوية، بما في ذلك الكريمات الخاصة بالمساج للتخلص من شد عضلات الرقبة والساق.
لا إرادياً لم أشعر بأنني بحاجة لأدوية أو أن زيادة إفراز الأدرينالين عند شعور الإنسان بالخطر قد تم تطبيقه حرفياً على جسدي، فالحقيقة أنني لم أكن أشعر بألم ولم أشعر سوى بأنني قادرة على التنقل في كل مكان في البيت او نزول وصعود الدرج، حيث انقطع التيار الكهربي لأكثر من عشرين ساعة، وكان علينا كسكان الطوابق العليا أن نستخدم السلالم بدلاً من المصعد الكهربائي.
لم أكن أفكر بجسمي ولا بألم ولا بمرض، فقط كان تفكيري وحواسي منصبين على ما يدور من أحداث، والحقيقة ان حاسة السمع لدي قد نشطت لدرجة لا توصف، أما حاسة البصر فقد نشطت قليلاً لكي تتابع عيناي الأخبار من خلال الهاتف النقال الذكي الذي تفرغ بطاريته سريعاً بسبب تصفحي الدائم له، فلم أكن أتركه لأني كنت أعرف الخبر بمجرد أن يرد للصفحات الإخبارية التي أتابعها، أما عن حاسة السمع فقد استطعت تحديد أماكن القصف من خلال أذني حتى والأبواب والنوافذ مواربة وجلوسي على سريري أو على مائدة الطعام التي تتوسط بيتي الضيق، ولكني كنت قادرة أن أكون مرهفة السمع وتحديد مركز الأحداث بدقة وأُشير بذراعي نحو المصدر بكل ثقة ولم أخطئ مرة.
هكذا كنت في ساعات الصدمة، وما ان اعلن عن انتهاء الجولة الأخيرة من التصعيد حتى بدأت الآلام المعتادة تداهمني، وبتثاقل في صباح يوم الإثنين كنت أتناول حبة دواء خاصة بمرضى الضغط المرتفع التي يتوجب عليهم تناولها على الريق، وبتثاقل كنتُ أبتلع ضرساً من الثوم الطازج بناء على وصفات الأطباء وألحقتها بثلاث حبات من التمر بناء على الوصايا النبوية، وفي الأيام السابقة لم أفعل كل هذه الطقوس إطلاقاً ولم أفكر فيها.
بعد انتهاء الجولة الأخيرة من التصعيد داهمني الألم بقوة، فهناك آلام في عضلات ساقي بسبب كثرة صعود ونزول سلالم البناية، ففي كل مرة كنا نهبط للأسفل مسرعين ونصعد حين تهدأ وتيرة الهجمات لكي نشرب الماء أو نقتات ببعض الطعام ونؤدي الصلوات الفائتة، وهكذا أفصح الألم عن نفسه بشدة في صباح يوم الإثنين، ولم أكن وحدي التي تعاني من هذه الآلام ولكن أولادي الذين هم في سن الشباب قد اشتكوا من الأعراض نفسها.
أما حين لُذتُ بنفسي في غرفتي فقد كان الوقت قد حان لكي أدخل في نوبة بكاء طالتها نوبة صمت وجلوس وتحديق في الفراغ، ومشاعر متضاربة، منها الرغبة في الموت، وعدم التفكير بخطوة قادمة ولو بعد ساعة من ذلك الوقت مثل النزول إلى السوق مثلاً أو تنظيف البيت الذي لم أكن أتوقف عن تنظيفه خلال 56 ساعة، كأنني أتحسس ممتلكاتي وأُعبر لها عن خوفي عليها، فماذا يملك مواطن بائس غير أثاث قديم وملابس متهالكة وحقيبة أوراق ثبوتية وأدوية لأمراض مزمنة؟
بعد الصدمة أفقتُ وبدأت أبكي فعلاً، وبدأت أُعبر عن مشاعري سواء الألم الجسدي أو النفسي، وبتُّ أتحدث عن الموت والرغبة في الهرب والسفر والهجرة والرحيل، ومثل كل مرة تمر الأيام وتدور عجلة الحياة، لتعود جولة أُخرى من جولات الحرب.
فكرت كثيراً بأم الشهيد إبراهيم النابلسي، وشعرت بأنها تعيش مشاعر الصدمة الأولى، فلم تعد قادرةً على السيطرة على مشاعرها التي تعلو عليها وتسيطر مشاعر الفخار والعز والاعتزاز، لكنها حتماً سوف تُفيق مثلي، وسوف تعيش مشاعر ما بعد الصدمة، سوف تجلس على حافة سريرها وتنظر نحو باب البيت من بعيد وتتخيل الغائب قد أطل من فراغ الباب، ساعتها فقط أدعو لها من كل قلبي بالصبر، بالصبر حتى تستعيد توازنها وتُكمل ما تبقّى من حياتها في رضا بقضاء لا يمكن تأخيره أو تبديله.

