وداعاً علي كتانة
الكاتب: ريما كتانة نزال
انحدرت دمعة وقفزت ابتسامة في وداع المثقف الفنان من الطراز الرفيع، الذي سافر في حقل التصوير وأضوائه بعيداً، مطوراً ومثرياً لكوادره الفنية حقيقة أثر الضوء على الصورة كي تصبح صورة معبرة، فأصبح عَلَماً بارعاً فيه، يستنطق الصورة؛ لأنه اعترف لها بالحقيقة الخالصة مكذّباً الكلمة المجردة من الصورة، لتصبح مقولته المُدْرَكة بطريقة مختلفة في العمق والشمولية.
ولكي أعرفكم على أخي علي كتانة، سأقول ما سمعته ابتداءً من أبي وأمي لدى تحلقنا حولهم في عادة «كتانية» واظبنا على ممارستها في الحديث، حيث كان والدي يروي لنا القصص التي يقرؤها، في الوقت الذي كانت تشاركه والدتي الحديث عن العائلة، واصفة ميزات كل فرد منها، وعلى الأخص ما أحاط بأولادها وطفولتهم من مناسبات أو مصادفات أو مطويات تمر من خلالها علينا جميعاً.. بما فيه إحاطتنا بوضعنا الاقتصادي وعلاقاتنا وامتداداتنا.
كانت القصة المفضلة حين تحضر شخصية أخي علي ونوادره الكثيرة، خاصة عندما كانت أمي تعلمه النطق باسمه..»قل اسمي علي».. فيرد عليها: «بديش أنا علي أقول اسمي علي»! ويتكرر الشكل مع باقي المفردات التي تريد منه تعلمها.
هو لا يذعن إلا على طريقته وبموافقته، مؤكداً ذاته واعتداده بنفسه.. طفل مشاكس جميل وذكي، وصاحب موقف مستقل.
هذه السمات والملامح الأولى لشخصيته رافقت الراحل بقية عمره.. رجل حيوي واثق مندفع ومتحرك، مع استمراره في صقله لشخصيته بالعلوم بشكل شامل، والتي يعيد إنتاجها وتطويرها بالعلم والقراءات العلمية والثقافية والاجتماعية والدينية والمزيد من الاجتهاد المندمج بالمرح والفكاهة.. وحتى اللحظة الأخيرة لم يتخلَ «علي» أبداً عن موهبته في النقد والمشاكسة والمقاربات التحليلية العميقة، واضعاً الفكرة مقابل الفكرة، ومدافعاً عن قناعاته حتى النهاية، ورافضاً الانضباط لإطار معيّن مفروض، بل جاهز للتجاوز والتمرد والتناقض مع كل ما يَمَسّ ثوابت العلم والحياة الرفيعة.
وفي رواية جاءت على لسان والدي، عندما تسبب الراحل له بالحرج أمام بلدتنا الصغيرة طولكرم، وقد أصبح شاباً مرحاً مندفعاً مفعماً بالحيوية نحو خوْض التجارب، مستغلاً غياب الوالدين عن البيت، ليلاً، حين قام بتسليط انعكاس صورة شريحة للهيكل العظمي، من خلال عدسة جهاز بروجكتور حديث الصنع في تلك الأيام، على مئذنة الجامع المقابل لبيتنا، بينما كان بعض الناس في الجامع والبعض الأكثر يجلسون في المقهى المقابل له.. لينتشر الرعب بين القوم لاعتقادهم أن ظهور الهيكل العظمي على المئذنة بمثابة علامة من علامات حلول الساعة ويوم القيامة، مسرعين إلى بيوتهم، بينما كان أحد المسؤولين يراقب مصدر العرض ومسرحه.
أكثر ما يميز أخي علي هو ذلك التشابه المذهل بين معتقداته وبين سلوكه الممارس، خاصة في عالمنا المزدوج في معاييره.. فعلي لم يكن من الذين يلعبون دوراً مزدوجاً، ولم يقسِّم أدواره كما يقتضي عالم المنافقين السائد، ولم ينفصم عن نفسه ليلعب دوراً على الورق ودوراً آخر في الحياة.. لم يلبس الأقنعة التي تخفي حقائقه وقناعاته، بل كان شخصاً حقيقياً لمّاعاً ولمّاحاً.
لم يكن الرجل في يوم من الأيام عابراً أو سطحياً في تفكيره وممارساته، بل امتلك قامة مهنية محترفة وصاحب مناقبية خاصة. تلمّس جميع من عايشه من طلبة وزملاء وأصحاب وعائلة معالم شخصيته ومواهبه المركبة والمتعددة الطبقات والزوايا.. صاحب أفق مفتوح ومنفتح ببذخ مَكَّنه من الاستشراف الرؤيوي، ممتلكاً حكمة أبناء البصر والبصيرة، بالاعتماد على مرجعية العلم الخالص من شوائب الثقافة الشعبوية السائدة، يسير على وقع وخطى منهج البحث العلمي ويسترشد به، نائياً بنفسه عن الإسقاطات والأوهام والرغائبيات بأصالة دون افتعال أو تعمد.
يصعب تجاور كلام الماضي مثل استخدام مفردة «كان» كفعل ماضٍ ناقص مع أخي علي.. حتى لو كان المشهد ناقصاً منه.. بالنسبة للعائلة اعتبرنا أن الموت لم يغيبه، بل قام بنقله من صف إلى صف آخر، حيث سيتواصل عمره معنا بعد أن أدى أدواره وخرّج أجيالاً تفتخر بمعرفته وبصماته التي تركها خلفه.
لقد انتقل إلى صف أكثر رحمة من عالمنا.. رحل الأستاذ العالم والفنان عراب الصورة والنبيل بعد صراع عنيد مع الحياة.. رحل صديقنا الذي أجبرنا على الضحكة والدمعة.. لن نقول وداعاً لأنه أكبر من الوداع.. بل سلاماً لروحه الجميلة.

