ماذا يعني اليوم السادس للإضراب ؟
الكاتب: طارق عسراوي
ليلة أمس، نام الأسرى من ثِقل الوقت، كانوا قبل النوم يُطلّون على أكثر الأسئلة جمراً، ما الذي يجري خارج الأسوار؟ في المدن والقرى والمخيمات ؟
هل مسَّ جوعنا عصب الغضب فصار متاريسَ وخياماً، أم أنّ الناس بوديانٍ أخرى؟
تنبّه أصغرهم سنّاً لغيمة ضعفٍ في سماء الزنزانة، تُثقل ليل الأجساد المنهكة، فكّر في شائعات بثّها السجان، ودون أن يعي أثر ما سوف يقوم به غيّر من نبرة صوته، وبحزمٍ قال: لنا صبر البلاد وملحها، ونقاتل، ولو بلحمنا سوف نقاتل.
ماذا يعني اليوم السادس للإضراب؟
يعني أن الأجساد تمرّست الجوع، وصارت أسماء الأكلات والطبخات لعبة الكلمات المتقاطعة.
يعني أن عيناً من داخل الزنزانة تراقب ما يجري في البلاد، وأن الروح جائعة لكل خبر من خارج الأسوار.
ويعني أيضاً، أن الوقت بلا ساقين، ثقيل الهمّة، يُلقي جسده بقربهم ومثلهم تماماً.. منهكاً لا يتحرك.
يعني أنّ ساعة الغداء حلّت، فيُقدّم أحدهم بيان اعتذار للفاصولياء، سامحيني، يقول ساخراً، كنتُ لا أحبُّ طعم الفاصولياء، والآن بي شوقٌ غامر لاكتشاف طعمها الغائب منذ سنين. يَضحكُ مَن في الغرفةِ ويصير حديث اليوم بكامله عن لذّة تلك الأكلات التي لم تكن محبّبة قبل الإضراب، تلقائيا تتبدّل محتويات ال menu لبعد الإضراب وتحتل الفاصولياء رأس القائمة.
ماذا يعني اليوم السادس للإضراب؟
يعني درساً تذكيرياً بأساليب طبيب السجن في محاولة كسر الإضراب، يأخذ أقدمهم بالأسر مهمّة شرح الاجراءات الطبية، وكيف تصير عبارات طبيب السجن فخاخاً لاصطياد نقاط الضعف.
يعني أن يوضع كلٌ منهم بعد زيارة العيادة في غرفة معزولة متروكٍ فيها لبنٌ بارد، أو فاكهة وكميرات مخفية.
يعني أن أسيراً يخطو صوب المصيدةِ، وقبَل التقاط الطُعمِ يدفعه وعي الخوف ووعي الندم إلى زاوية الغرفة، يبكي جوعاً، يبكي ندماً، يبكي فرحاً.. يبكي فالإنسان لا بد له أن يبكي كي يبقى إنساناً.
يعني أن يجتاز الجوعى ذاك الحد الفاصل بين الموت والحب، ويعودوا إلى الزنزانة عُشاقاً يحتفلون بورد الحبيبة ينمو في الذاكرة.

