الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:27 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:23 PM
العشاء 8:46 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

تغيرات الإستراتيجية الأميركية تجاه قضية فلسطين

الكاتب: عبد الغني سلامة

من البديهي أن تغير المواقف ينبع من تغير الإستراتيجيات، فمثلا في فترة حكم الجمهوريين (1988~1992)، كانت الإستراتيجية الأميركية تقوم على إطفاء جميع بؤر التوتر والصراع في العالم، تمهيدا لخلق شرق أوسط آمن ومستقر، ليكون سوقا استهلاكيا عملاقا، لصناعات عملاقة بدأت تعاني من الركود، وفي هذا الصدد، أوقفت أميركا دباباتها على تخوم البصرة، ولم تسمح بانهيار نظام صدام حسين (حرب الخليج الأولى، 1991)، وكانت قبلها أنهت خمسة عشر عاما من الحرب الأهلية اللبنانية، وفرضت حلا سلميا لناميبيا، ولم تحاول منع انهيار نظام «الأبارتهايد» في جنوب أفريقيا، وبعيد حرب الخليج الأولى، ألقى بوش الأب خطابا في آذار 1991 أمام الكونغرس، وأعلن فيه أن الجغرافيا وحدها لا يمكن أن تمنح الأمن لإسرائيل، وأن المنطقة مقبلة على تغيرات جديدة. ثم شرعت إدارته في الاستعدادات لعملية السلام في مؤتمر مدريد.

إلا أن الإستراتيجية الأميركية الجديدة في عهد بوش الابن (2000~2008) اختلفت هذه المرة، فبدلا من إطفاء بؤر التوتر جاء المحافظون الجدد – الذين هم من أصول نشاطات نفطية ومشبعون بثقافة الكاوبوي – بإستراتيجية شن الحروب واحتلال البلدان، وأُستبدل السوق الاستهلاكي العملاق بالحرب على الإرهاب.

في تلك الحقبة، سعت أميركا لترتيب أوراق المنطقة وبناء شرق أوسط جديد، فتورطت في حرب في أفغانستان، ثم في العراق، وبنت سياساتها الداخلية والخارجية تحت شعار مكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية.

وفي خضم انشغالها بما سمته الحرب على الإرهاب، كانت روسيا تستعيد عافيتها، وتسترد مكانتها في المنطقة والعالم، والصين تنهض كقوة عالمية اقتصاديا وتكنولوجيا، صارت تهدد أميركا نفسها.. وقد تنبهت أميركا لهذه الحالة، وفي عهد أوباما، بدأت بتغيير إستراتيجيتها. ويمكن القول، إن تلك التغيرات قد نضجت تحت تأثير عاملين:

الأول: إدراك أميركي بأنّ زمن الحرب التقليدية قد انتهى، وأصبحت الحروب الجديدة بين الدول الكبرى تعتمد السيطرة على التجارة الدولية، والتأثير في الاقتصاد العالمي، والذكاء الاصطناعي، والجيل الجديد من الإنترنت، والأمن السيبراني، ومصادر الطاقة.

الثاني: إدراك أميركي متأخر بفشل سياساتها الخارجية منذ انتهاء الحرب الباردة، أي فشل سياسة القوة والحروب الاستباقية واستبعاد الأطراف الدولية والإقليمية.. والتفكير بمسار جديد يعتمد الحوار والتفاوض والمؤتمرات الدولية، وهذا ما جاء حرفيا في تقرير لجنة بيكر/ هاملتون، وهي لجنة مشتركة من الجمهوريين والديمقراطيين، أصدرت تقريرها في 2006.

وتأكيدا على هذا التوجه، تمّ الإعلان عن «وثيقة مُعدّلة» لإستراتيجية الأمن القومي الأميركي (2021). أكدت على ضرورة إنهاء «الحروب المزمنة» التي تخوضها أميركا، والتي أصبحت عبئا عليها، ولم تعُد مفيدة لها. وبدلا منها يتوجب التركيز على ترميم الوضع الأميركي، داخلياً وخارجياً.

المهم في التقرير أنه أقر بفشل السياسة الأميركية منذ انتهاء الحرب الباردة، واعترف بفشل سياسة القوة والحروب الاستباقية واستبعاد الأطراف الدولية والإقليمية، ودعا لمسار جديد يعتمد الحوار والتفاوض والمؤتمرات الدولية، معتبرا أن إقامة دولة فلسطينية شرط لتحقيق أهداف واشنطن، وأنّ حل الصراع العربي الإسرائيلي يشكل حجر الزاوية لحل الأزمة في الشرق الأوسط.

وفي عهد ترامب، بدأت تتكشف معالم مرحلة جديدة في علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل على مختلف المستويات. إذ تبنى ترامب حينها دعما مطلقا لإسرائيل، ضمن سياسة تهدف إلى تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتطويع البلدان العربية بالكامل وإخضاعها لهيمنة إسرائيل، وتلك السياسات مثّلت انقلابا في السياسات الأميركية التقليدية والتي دامت طوال الفترة التي سبقتها.

في عهد بايدن، بدأت السياسة الخارجية الأميركية تعود للموقف الأميركي التقليدي، المتماهي مع الشرعية الدولية (حتى ولو شكليا)، الرافض للاستيطان، وللإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب، فأعادت الدعم المالي للسلطة الوطنية، واعتماد مبدأ حل الدولتين كأساس للتسوية السياسة.. أي بمعنى آخر التحول عن صفقة القرن التي كانت بمجملها ضد الفلسطينيين، وبشكل سافر وغير مقبول بالمطلق، وإدارة الصراع في المرحلة القادمة بسياسات خارجية جديدة يمكن التعاطي معها.

ومن محددات هذا التغير أن الموقف الأميركي التقليدي غير متحمس لفكرة الدولة اليهودية، ويرفض ضم الضفة الغربية، أو مناطق «C». والسبب يعود إلى فهم أميركي خاص لحل الصراع، قائم على ضرورة أن تظل إسرائيل بأغلبية يهودية، وهذا التصور مبني على توصية من المخابرات الأميركية جاءت على إثر سقوط الشاه (1979)، ومفادها أن أميركا لا يمكن لها الاعتماد، أو المراهنة على أي حليف في الشرق الأوسط، سوى إسرائيل، وأن إسرائيل يجب أن تظل بأغلبية يهودية، لضمان ولائها، وبالتالي فإن فكرة الضم، والإعلان عن دولة يهودية ستؤدي في نهاية المطاف لفقدان إسرائيل الأغلبية اليهودية.

واليوم، بعد مرور نحو سنتين على رئاسة بايدن، يمكن القول، إن بعض هذه التغيرات حصلت بالفعل، مثل إعادة دعم موازنة «الأونروا»، والحديث عن حل الدولتين كأساس للتسوية (إعلاميا)، ووقف الدعم المالي عن مشروع سلام إبراهيم، الذي فقد الكثير من زخمه، وبعض التغيرات تحدث في صورة بطيئة، أو على شكل وعود (لم تتحقق حتى الآن) مثل إعادة افتتاح القنصلية الأميركية في القدس، أو إدانة سياسات الاستيطان والضم، وعلى ما يبدو فإن شهر العسل في العلاقات الأميركية الإسرائيلية قد انتهى. 

وفي هذا السياق، ثمة نقطة مهمة يجدر الإشارة إليها، وهي أن إسرائيل (ومنذ نشأتها) تدرك أن ارتباطها بالمركز الإمبريالي مسألة مصيرية، وأنه لا يمكنها العيش دون حليف دولي، وهذا يجعل منها تابعة، لذلك، لم تتوقف عن محاولاتها للتمرد، وسعيها لتوسيع هامش استقلاليتها، وتقليص اعتمادها على المركز الإمبريالي، أو التفكير بحليف دولي احتياطي.

وخلاصة القول، إنّ أيا من رؤساء الولايات المتحدة لم يخرج عن التزامه بضمان أمن إسرائيل، وغض الطرف عن قضمها المزيد من الأراضي الفلسطينية، وأنّ أي تسوية سياسية ستكون لصالح إسرائيل، وإذا فشلت تحمّل المسؤولية للجانب الفلسطيني بعدم تقديمه التنازلات من أجل تحقيق السلام.

صحيح أن إدارة بايدن تبدو مختلفة نسبيا، ولكنها تواصل تطبيق بنود صفقة القرن بهدوء، وبدبلوماسية ناعمة، لذا من غير الصائب المراهنة على موقف أميركي إيجابي وقوي يجبر إسرائيل على القبول بالحقوق الفلسطينية وإنهاء الاحتلال.. فهذه مسألة دونها خرط القتاد.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...