الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:29 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:23 PM
العشاء 8:45 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

رائحة العطر!

الكاتب: بكر أبوبكر

هناك فرقٌ كبيرٌ بين العطور الشرقية أو المشرقية تلك العربية منها، وتلك من خراسان أومن مصدرها في شرق آسيا، وذلك عن العطور الغربية خاصة الباريسية.
لقد ملأت أنفي منذ أيام رائحة مجموعة من العطور الشرقية العربية من السعودية وعُمان والإمارات والتي قدمت لي هدية من ابنتي الكبرى حنين، وابنيها الجميلين الشقيّين محمد وليلى الصغرى، فانتشيت برائحة مختلفة كليًا عن تلك الروائح الباريسية الشهيرة. 
أنها عطورٌ عربية بأسماء جميلة جدًا مثل عِطرُ: خنجر، رسالة، كلمات، الليل، الوالي، عود وورد... الخ. ولن تكون هذه دعاية لهذه العطور المذهلة الرائحة، بل انحيازًا لصناعات الأمة كما انحيازي التام والأبدي لعطر بلادنا الطبيعي من: الزيت والزعتر والطابون، ورائحة الصابون النابلسي، والكلاج الجنيني-الطوباسي، والدبس الخليلي، والثوب الفلسطيني الأصيل والحطة ورائحة طين فلسطين، ولوزيّات حيفا، وبرتقال يافا، ورائحة خشبيّات بيت لحم التي تحتمي بالمسيح وأمه عليهما السلام، ورائحة بحر غزة العجيب.
أو مما يرسله لك العبير ذو الصلة بمعنى اسم مدينة الناصرة الفلسطينية الراقدة في جليل البطل الظاهر عمر الزيداني أول رئيس للجمهورية الفلسطينية في القرن الثامن عشر من معاني: الزهرة أو البرعم المتفتح، أو باقة الأزهار، أو بستان الشجيرات، أو الزنبقة، أو رونق الشيء وإشراقه. والى ما سبق في بلادنا من ألوان وروائح مختلف الأزهار البرية ومنها رائحة الميرمية واليانسون والنرجس والزعتر البري!
قبل ذلك وفي أحد المؤتمرات في تونس الشمم، شممتُ رائحة نفاذة وقوية من على جسد أحد الأخوة المشاركين من سلطنة عُمان، وسألته عن الرائحة الخارقة للأنف المتحدية للمحيط لا تقبل إلا الاعتراف بها! فقال لي انتظر! وذهب الى غرفته واحضر لي القنينة (عطر زمرّد) معتذرا أنه استخدم القليل منها، وبعد جدل بسيط اضطررت لأخذ الهدية شاكرًا، فهذه عادات العرب الأصيلة بقبول الهدية، وكلما رششتُ من الرائحة المتحدية يقفز الرجل والرائحة ومسقط الجميلة الى مخيلتي.
عودة أوسع الى الوراء فلقد كان والدي رحمه المناضل الفدائي العريق والقيادي المجاهد الشهيد محمود أبوبكر المتعطّر بالماء وبرائحة الزيتون يثق بأهمية العطور التي كان يضعها دومًا ما بين أنفه وأذنيه وعلى ملابسه، حتى وهو يتلو قسم الإخلاص لفلسطين في صحبة ثلة من الفدائيين، فتسمو الرائحة من حنايا صاحبها لتستقر في علياء الدماغ. ولا أكاد أذكر أول لقاء لي كطفل شبل مع الراحل الخالد ياسر عرفات إلا وهو يضمني وأنا برفقة والدي وعطره الجميل من ملابسه المتواضعة يتسرب الى أنفي وكنت حينها لم أصل لمستوى صدره.
في عطلة المدرسة الثانوية عملت في محل عطور لجارنا من عائلة العلمي الكرام، فتعرفت منذاك على العطور الباريسية، واختارني منها وما زال العطر القوي والصارم والعالق بالزمن اللذيذ المسمى (أراميس) الذي علمت لاحقا أنه أطلق منذ ستينيات القرن العشرين. وأن معنى الاسم بالفرنسية هو المبارز أو المحارب الخيالي.
ما جعل هذا العطر يختارني ثم اخترته هو أنه يحتضنك أنت لوحدك ويغلق عليك بمفتاح الربط بين ماضيك والحاضر فلا تخرج إلا بإذنه! ويكاد يحتويك حصريًا ويجعلك تعيش معه لحظات نشوة وسعادة بذات الرائحة أساسًا وبمقتضيات الاستطرادات النفسية المرتبطة به وبقدرته العجيبة على الاحتواء الخَطِر.
ما بين العطور الشرقية ذات الصبغة الروحانية العلوية التي تدق أبواب السماء لتجمعك فيها، وتلك الغربية مسافة كبيرة، لكنك لاتكاد تفضّل إحداها على الأخرى. وفي هذا تميّزنا كأبناء أمة عربية إسلامية ومسيحية مشرقية بقدرتنا على التفهم والرحابة وقبول الامتزاج والتنوع.
مع العطور الغربية والباريسية سيدتها تجد نفسك في محيط ذاتك أنت، في فضاء نفسك أنت، فهو عطر (بأنواعه ما بين: بعد الحلاقةAfter shave، بعد الحمام eau de toilette، كولونيا colone،عطرParfum. وللرجال والنساء) صُنع لك خصيصًا بحيث تشعر بالفرادة والخصوصية والرغبة بالانحصار في محيط رحيق ما تشتم لا تريد أن تخرج منه بتاتًا حتى يودّعك هو.
العطور المشرقية بحسب حسّي الموشى بذهب القِباب والمساجد والقلاع أنها قوية ونفاذة لدرجة الاختراق لتلافيف الدماغ، وهي عامة وواسعة ورحبة تتسع للجميع مما تحويه من عود وعنبر وورد وبخور وصندل يجعلك تحس بمعنى الاحتضان الشمولي والجماعية الدافئة، فأنت معها جزء من كل! وقريب من المجتمع والجماعة. لذا تراها في المعابد على كافة أنواعها، وفي الكنائس والمساجد، وفي البيوت ولا يدانيها بهذا الأمر أي عطر غربي بتاتًا.
العطور كما الشخصيات لكل منها أن تختار شخصيتها، أو لكل شخصية إن جرُؤت أن تختار عطرها. وتعدّد الشخصيات يتوافق مع تعدد أنواع العطور الشرقية أو الغربية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...