الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:30 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:22 PM
العشاء 8:44 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

ماذا لو اختفت الساعة؟

الكاتب: سما حسن

سالتُ نفسي هذا السؤال في الصباح الباكر جداً وأنا أسمع باص مدرسةٍ ما يقف في أسفل البناية الضخمة التي أصبحتُ أقطن في إحدى شققها العلوية، وكان صوت الباص من الأصوات التي اعتدتُ عليها منذ أصبحتُ إحدى سكان المدينة الواسعة وهي مدينة غزة قياساً لمدينتي الجنوبية الصغيرة التي عشتُ فيها نصف قرن من عمري، وهكذا كنتُ أتساءل ماذا لو اختفت الساعات من بيتي ولم أعد أعرف الوقت؟

تخيلتُ أنني سوف أعرفه من الأصوات المحيطة، ونظرتُ إلى الساعة التي تقع أسفل شاشة اللاب توب وتخيلت أنها قد اختفت، كذلك الساعة التي تعتلي شاشة هاتفي النقال والتي تظهر وتختفي في تكرار لا تمله، وقلت لنفسي في تحدٍ: أنا أستطيع أن أحدد الوقت.

تذكرت كيف كان القدماء يعرفون الوقت قبل اختراع الساعات والمنبهات، وهكذا في الصباح كنت أتخيل أن الساعة بعد السادسة بقليل لأني سمعت صوت الباص، وقبلها كنت أتوقع شروق الشمس وقد سمعت صوت العصافير تزقزق فرحة من بعيد، وهكذا فهي الخامسة وبضع دقائق، وقبلها سمعت أذان الفجر فقدرت ان الساعة تقترب من الرابعة والنصف فجراً، اما الباص فهو يأتي مبكراً جداً وقبل موعد قرع الجرس للمدرسة بأكثر من ساعة ونصف.

أُطلُّ من شرفتي وأُدلّي رأسي نحوه وأرى الصغار الذين يلتحفون المعاطف الثقيلة ويبدون مثل اشكال كرتونية مضحكة، فأجسامهم من الاعلى منتفخة بسبب المعاطف المنفوخة أصلاً والمضغوطة بالهواء لمنحهم الدفء ومنع فقدان حرارة اجسامهم، أما سيقانهم فهي مضحكة لدرجة لا توصف بسبب نحولها المميز والذي يبدو تماماً متناقضاً مع الجزء العلوى من كل هيكل صغير يهرع نحو باب الباص المفتوح، فيغيب الطفل بداخله ويبتلعه الجسم المعدني فيما تسدل ستائر على نوافذه لإضفاء بعض المهابة على باص المدرسة وربما لإخفاء هذا الكم الكبير من التلاميذ الذين تم جمعهم قبل هذه المجموعة التي انسلّت من البناية السكنية التي أقطنها.

شعرت بالحزن على هؤلاء الصغار الذين ينزلون من بيوتهم مبكراً لأن الباص سوف يدور على بنايات كثيرة ليجمع الصغار الآخرين ثم يعود إلى المدرسة لكي يصل مع موعد قرع الجرس الصباحي، وهكذا لم أعد بحاجة لكي أعرف الوقت حتى أقدر أنها السادسة وبضع دقائق، خاصة أن قبلها ينقطع التيار الكهربي عن المنطقة وحسب الجدول الذي لا يزال متبعاً في غزة، وعلينا أن نستعين بوسائل طاقة بديلة تتفاوت حسب امكانية كل اسرة في البناية والبنايات المجاورة، ولكن الإظلام الذي يعم المكان يكون مخيفاً بالنسبة لطفل صغير ينسل من سريره إلى درج البناية ثم يندسّ في هذه العربة الضخمة التي تربض كوحش اسطوري يتململ قبل أن يلتهم ضحيته وهو يعرف أن لا فرار منها.

قررت ان استمر في لعبتي وهو ان أسال نفسي : ماذا لو اختفت الساعات من حولي، وعلي ان اعرف الوقت وأكتشف حواسي وارتباطها الشرطي بحوادث معينة تدور بشكل شبه يومي حولها، وهكذا كنت أصيح بعد قليل بأنها قد اصبحت السابعة تماماً حين سمعت صوت قرع على انبوبة غاز فارغة وصوت السائق والشاب الذي يجلس إلى جواره يناديان على السكان لإحضار الأنابيب الفارغة والحصول على انابيب أخرى تمت تعبئتها، وكانت كلمة السر بين السائق والشاب القابع إلى جواره هو النداء بكلمة « غاز......... غاز».

هكذا كنت أنظر إلى ساعة الحائط في صالة البيت الصغيرة وتأكدت أن الساعة كانت السابعة صباحا بالفعل، وقررت أن أترك هذه اللعبة وأتوقع أن حياة من سبقونا كانت أكثر بساطة لأنهم لم يكونوا يعرفون الثواني والدقائق، ويقدرون الوقت تقديراً حين يقولون وقت الفجر ثم الصبح والضحى والظهر وهكذا، أما نحن فبؤساء لدرجة لا توصف ولا يمكن تخيلها، فحياتنا متخمة بالساعات والدقائق والثواني، وكلما كانت حياتك متخمة ومزدحمة فأنت تشعر بالضغط النفسي والعصبي، وأنت تنتظر وتكتشف ان حياتك ما هي إلا ساعة وأنك تمضي وقتك وأنت في سباق معها، أنت في سباق مع عقربين، هما فعلاً كذلك أو نقطتين أو وميضين أو إشارتين، وكل ذلك يرهقك وتتمنى في قرارة نفسك ومن أعماق قلبك لو اختفت الساعات.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...