الكونتيسة والعجوز والملاريا
الكاتب: نافذ الرفاعي
ايقظتني الحكايات القديمة على وقع الذعر الكوني وكيف عبر البشر التاريخ والمحن القاسية، أو هزموا أمام حرب الطبيعة على الغزاة، وكيف قاومت الملاريا اللصوص القادمين من أوروبا معبئين بوحشية العصور الوسطى التي لم تفارقهم، وحاولوا تجميلها بدعوى الاستعمار والإعمار، وتخليص الشعوب من البدائية والهمجية،
وعندما اجتاحت الملاريا الغزاة ومزقت شملهم، وجعلتهم يهذون من الحرارة المرتفعة، وتودي بحياتهم، لم تستثني الحاكم الاوروبي في دولة من امريكا الجنوبية، وأصابت زوجته الكونتيسة، وأعلن عن جائزة لمن يعالجها بعدما عجز الاطباء الاوروبيون عن ذلك،
جاء فلاح بسيط من السكان الأصليين يعيش في الجبال ويتماهى مع الطبيعة والبرية، يحمل على ظهره حقيبة من القماش ، يدس فيها بعض أعشابه، وقف أمام قصر الحاكم البارون وطرده الحراس، الا أنه اصر أنه قادر على علاج الكونتيسة زوجة الحاكم،
أخبر حارس كبير القصر الذي تأمل الفلاح العجوز بازدراء، لكنه قرر ادخاله للقصر لعلاج الكونتيسة، حافي القدمين رث الثياب وحقيبته القماشية في كتفه،
ابتعد الاطباء عن الكونتيسة والتي تعاني من ألام مبرحة وأنين ووجع وتصرخ ما بين الغيبوبة التي يعملون جاهدين لابقاءها يقظة حتى لا تموت،
تقدم العجوز مقتربا منها وتحسس جبينها، وامر بماء ساخن وقام بغلي أوراق من عشبة بريه، وسقاها منها، قاومت طعمها المر، وهلوست قليلا ثم نامت ، طلبوا منه منعها من النوم الا أنه أصر بالسماح لها بالنوم، وجلس بجانبها، يتحسس جبينها، والأطباء والحرس ينتظرون اعلان موتها لكل غايته، فالاطباء يرفضون عجزهم أمام هذا العجوز الرث البدائي، وأما الحراس فقبضة أيديهم على السيوف للإطاحة برأس العجوز الذي أمات الكونتيسة،
حركت الكونتيسة جسدها وساعدها العجوز على التقلب، وتحسس جبينها والذي بدأ العرق يتفصد منه، ابدى ابتسامة واضحة وقال الآن أقول أن الكونتيسة بالف خير، بدأت حرارتها بالنزول، وكأنما اغتسلت بالعرق الذي كان يمسح جبينها بشريطة من القماش، حتى أحضرت الخادمة قماشا أبيضا ناصعا، تناول عشبة من حقيبته وفركها بقطعة القماش وفاحت رائحة عطرية نفاثة ، قرب قطعة القماش من أنفها، فتحت عينيها،
تفاجئت بالرجل العجوز، وطلبت كأسا من الماء، تناوله العجوز ووضع عشبة أخرى بعدما فركها في الكوب وناولها إياها، ترددت ولكنه شجعها، بأنه يحمل البرية اليها، تخلصت من آلام المفاصل والظهر والحمى، أخبرته عن طنين في أذنيها، وضح أن ذلك مفعول العشبة التي قاومت الملاريا ستزول قريبا بعد التعافي،
جاء الحاكم بعدما تلقى الاخبار المفرحة، شكر العجوز بعدما دب اليأس في قلبه وفقد خيرة جنودة من الملاريا اللعينة، وسأل العجوز عن العشبة واصطحب جنود الحاكم الى البرية ليريهم الشجرة ذات الأوراق الدوائية، تغيرت المسميات للشجرة من شجرة العجوز الى شجرة الكونتيسة، الى شجرة الكينوكن وهم اسم سلالة البارون الى أن اصبحت شجرة الكينا،
ما فعله المستعمر البريطاني احتكارها والاتجار بها بأغلى الاسعار، وعندما انتشرت أبى المستعمر الا أن يخترع دواء كيماوي غالي الثمن بدل البديل الطبيعي المتوفر في كل مكان رخيص الثمن.
استحضرتني الحكاية والتي كنت قد قرأت عنها واستذكرها الآن لأن دواء الملاريا قد ينقذ البشر من الكورونا، ودواء الملاريا من شجرة الكينا استخدمه فلاح من سكان امريكا الأصليين لعلاج زوجة الحاكم المستعمر، سرق حق الطبابة في أسماء شركات أدوية لها من الأثار الجانبية أسوء من فعاليتها.
وهكذا تفعل الرأسمالية المتوحشة في العلاج كحق من حقوق الإنسان، والناس شركاء فيه، واليوم قررت أن أحمل حقيبة القماش لأن أي حقيبة بلاستيكية تفسد اوراق البرية ونكهة أعشابها، لأكتب من جديد احتفالية الإنسان بالرجل العجوز طبيب البرية.

