الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:34 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:20 PM
العشاء 8:41 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

رأس السيد أولاً أم رأس الصنم

الكاتب: بسام عورتاني

بدا لي أن من تجرأ على رأس السيد على وجه التشبيه (وليس موظف النظافة) المُجسد في التثمال الذي صُنع كرمز لتكريم موظف النظافة العامل في بلدية رام الله، أرسل رساله للجميع بالاعتراض على هذا التجسيد لأسباب قد تكون "دينية" أو غيرها من أسباب الرفض لمثل هذه الأعمال أو لفكرة السيد في موضع آخر، علماً أنه لم يدرك بأن البلد التي يعيش فيها مُحترفه في صناعة الأصنام. ولا يعلم بأنه يعبد أصنام مُتحركه سواء في بلده أو على مواقع التواصل الاجتماعي، أخطر من هذا الذي ضُرب رأسه الصامت.  في حين كانت وجهة نظر من أخذو القرار في ذلك تكريماً أو تحفيزاً أو تقديراً لفئة من فئات المجتمع الأقل حظاً في السلم الاجتماعي لأسباب طبقيه وثقافية.

هذه الفئه الموكل لها مهمة جمع أوساخ ومخلفات المواطن البشري من كافة المستويات بما فيهم من يشتغلون في ترويج "الأخلاق والقيم" الساميه، ليست مسؤوله عن نظافة الفضاء العام بشكل مباشر. وإنما المسؤوليه هي مسؤولية جماعية، ومهمة الكل بناء ثقافة الصحة العامة بالممارسه. فقد يكون من الأجدر لأصحاب القرار بأن يستهدفوا هذه الثقافة التي لا تولي أهمية لنظافة الفضاء العام وإحترام الفضاء العام عموماً من خلال برامجها التوعوية والتثقيفية وفرض المخالفات القانونية.، بداية من الروضه فالمدرسة فالجامعة، ومن ثم الحدائق العامة ..إلخ.

ومن المثير للاهتمام هو إنتشار التجرأ على الفضاء العام من تخريب للممتلكات، إلقاء نفايات حتى بجانب صناديق جمع النفايات، هذا السلوك المنتشر لماذا لا يناقش بإعتباره سلوك مهين لعمال النظافة أيضاً؟ هنا لا فرق بين مواطن ناقم رافض "للصنم" ومنتقد لفكرة تكريم صناع الجمال، وبالوقت نفسه يتجرأ على الفضاء العام ويقوم بإلقاء النفايات على الأرض حتى بوجود موظف النظافة. هذا مؤشر صارخ على حالة الانفصام المعرفي، وخلل في التصورات الذهنية حول الفضاء الخاص مقابل الفضاء العام. وهذا يعني الثقافة الفاسدة الانفعالية القاصره عن الفعل والعمل والتغيير وبناء هوية مواطنيه واضحة.

لا ينفصل هذا الموقف الرافض لأي عمل فني تجسيدي أو تشبيهي عن تكسير تمثال الأسود في وسط رام الله على دوار المناره، ولا عن محاولات للاعتداء على مجسم نيلسون مانديلا في حي الطيره مما أضطر بوضع حراسه من الشرطة لمدة أشهر. كما لا ينفصل عن موقف المؤسسات التربوية والتعليمية( خصوصاً بعض الجامعات – كمثال منع المسرحيات، وتكسير فضاءات فنيه  أحداث عام وماقبلها2019) التي تقمع حرية التعبير الفني وتحاصر أي نشاط ثقافي فني يستهدف التفكير. ولا ينفصل عن الحرب التي تخوضها الثقافة الفاسدة العنصرية المنتشره في كافة المؤسسات (سياسة، تعليمية، أهلية) تجاه الفكر والمعرفة والعلوم الانسانية والاجتماعية.

فهذه الأفعال تُظهر الجوانب المُظلمه في المعرفة العلمية والتاريخية بما فيها تاريخ الفن والجمال، فهي صادره من مجتمع مسلوب لا يؤمن بالعلم والشك المعرفي في كل شيء بقدر إيمانه بالخرافات التي تبرر له كسله وعجزه المعرفي. فهو لا يدرك على سبيل المثال فلسفة إبن عربي مؤسس الفلسفة الصوفية (الأكثر غزارة في التأليف في التاريخ الاسلامي والتي وصل عدد مؤلفاته إلى أكثر من ثلاث مئةِ نص وهناك من يقول وصلت أربعة مئه، بما فيها تفسيره الكبير للقرآن) في الحفر والنقش المعرفي عندما حاول الاجابه عن سؤال أين الله؟ وكيف نتمثله؟ عندما تحدث عن تجلي صفات الجلال الإلاهي في كل شيء (المرجع كتاب الفصوص).

ما حدث ليس فعلاً عظيماً بحد ذاته، ولكنه مؤشر على أزمة نفسية-إجتماعية مرتبطة بتاريخ القمع بكافة أشكاله "الاستعمارية" و"الوطنية"، ويتم تعزيز هذه الأزمه من خلال الحملات التشويهيه وكل ممارسات الاقصاء بحق أي فعل ثقافي ثوري تغيري يستهدف التقليد الجاهل لكل شيء. سواءً في الفضاء العام أو الخاص. ففكرة قبول الإختلاف ونقاشها بأدوات سلمية علمية رفيعه غير وارده في ظل حجم العمى والجهل المُمأسس والمُمنهج. فالحدث لا يستدعي الاستغراب ولا هو حدث مفاجئ، بل على العكس تماماً في هذه البلاد المفاجآت هي الواقع تماماً كعدم الاستقرار وعدم الأمان، والخوف، والظلم، والاقصاء.

أخيراً تاريخ الاستعمار للمجتمع الفلسطيني طويل جداً، أسس ثقافة مُستعمَر يلتفح البطوله ويمارسها في أشد معانيها تألقاً وحظوةً، فكم قلنا أننا تحت الاستعمار لذا فلنأجل كذا وكذا وكذا، ونبرر أفعال من ظنوا أنفسهم "أسياد الوطنية" وسلبوا من دفعوا  ثمن حرية تعبيرهم عن ألمهم وذادو عن أرضهم بحق وجداره. أستطيع أن أفترض الآن أننا ليس تحت الاستعمار إنما في قلبه. فرأس الصنم القابع فينا هو الأولى بالثورة عليه، إنه صنم الجهل والكسل والانانية المفرطه، والعادات البالية والعنصرية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...