إدوارد سعيد والاحتلال وخيبة الأمل السارتيرية
الكاتب: ادريس هاني
لا يكفي أن ندرك موقف المثقف من قضية عادلة في مستوى القضية الفلسطينية، فلا بدّ من تأويل الموقف. وسيكون الأمر غاية في التعقيد حين نقف على مواقف ملتبسة وتناقضية، حين نجد أنفسنا أمام وضعية التمييز والاستثناء بين جملة القضايا العادلة. بل ثمّة موقف ثالث، حين يقف المثقف موقفا خاطئا ضدّ قضية عادلة، وهذه الصورة الثالثة قد تكون ناتجة عن سوء تدبير معرفي بالقضايا أو لأسباب أخرى، لسنا هنا في واردها. ولقد سبق أن تناولت مقاربة عبد الكبير الخطيبي صاحب النقد المزدوج من التباس الموقف السارتيري، وسوف أحتفظ بتأويل ذلك الموقف بعد الحديث عن تجربة إدوارد سعيد في لقاء مع سارتر.
في عدد من لوموند ديبلوماتيك قبل عشرين عاما ونيف، تم عرض مقالة لإدوارد سعيد تحت عنوان "لقائي مع جان بول سارتر"( Ma rencontre avec Jean-Paul Sartre)، يتناول فيه حكاية ذلك اللقاء الذي يعكس رؤية نخبة من المفكرين والفلاسفة والمثقفين الفرنسيين من القضية الفلسطينية.
وفيها يتناول كيف بات هدفا للفلاسفة الجدد الذين ليس في رصيدهم سوى تلك الحماسة التي يبدونها في مواجهة الشيوعية، حيث هاجموا شعبوية سارتر ومواقفه الشجاعة، كما سخروا من تفاؤلية وتطوعية ما كانت تستهدفه نظرته الوجودية الإنسانية. وقد بدا أقل مقروئية خلال العشرين سنة، بعد أن كان أكثر من يستشهد بهم. لقد جعله عمله الواسع كروائي وفيلسوف ومثقف سياسي يخيف قراءه أكثر مما يكسبهم، لقد فاز بجائزة نوبل في الأدب قبل أن يرفضها، كما يقول ادوارد.
يضيف ادوار سعيد قائلا: " يتعين القول بأن جيلي ظل يعتبر سارتر واحدا من الأبطال الفكريين لهذا القرن".
في مقدمة هذا المقال المهمّ، أطنب إدوارد في مدح سارتر مديحا باهرا، لكنه لم ينس أن يذكر ما كان استثناء في مواقفه تلك، حيث أشار إدوارد إلى رحلة سارتر إلى مصر عام 1967، حيث سيتحدث عن ذلك في مقالته التي نتناول محتواها تُباعا.
+ + +
يتذكر إدوار سعيد يوم تلقى برقية من باريس عام 1979 في منزله بنيويورك، وفيها دعوة من قبل "Les Temps Modernes " (المجلة التي أسسها سارتر بعد الحرب) في ندوة حول السلام في الشرق الأوسط. وكانت الرسالة موقعة من طرف كل من سيمون دي بوفوار وجون بول سارتر. ومن قوة الصدمة ظنها مجرد مزحة، فهي رسالة من شخصيتين كبيرتين، وهذا ما جعله يمضي يومين للتحقق من أن الرسالة صحيحة وليست مزحة.
وحين وصل إدوارد إلى باريس، سيجد في الفندق رسالة مكتوب فيها باختصار: لأسباب أمنية، سيتم الاجتماع في منزل ميشيل فوكو. وهناك، في تلك الشقة الواسعة لم يحضر سارتر ولا أحد شرح لهم تلك الأسباب الأمنية الغامضة. لكن هناك كانت سيمون دي بوفوار تلقي محاضرة حول إقامتها هي وكيت ميليت بطهران "بعد أن خططوا للتظاهر ضدّ التشادور". يصف إدوارد المشهد كالتالي:
"أذهلني الأمر كله بغبائه المتعالي، وعلى الرغم من ميلي لمعرفة ماذا ستقوله، إلاّ إنني لاحظت بأنها كانت مهتمة بذاتها غير مستعدة لأي نوع من النقاش، بل أكثر من ذلك، غادرت بعد ساعة تقريبا، قبل أن يصل سارتر".
تناول إدوارد موقف ميشيل فوكو، حيث لاحظ أن هذا الأخير لم ينبس ببنت شفة وسيغادر أيضا. ومع أن حديثا ودّيا جرى بينهما، إلاّ أن ادوارد لم يفهم سبب تردد ميشيل فوكو في النقاش حول سياسات الشرق الأوسط إلاّ عام 1984. ويستند إدوارد سعيد على كل من ديدييه إريبون وديفيد ماسي، حيث سيكشفان في سيرتهما الذاتية، أن فوكو سيغادر تونس، التي كان أستاذا في جامعتها، بعد حرب يونيو، وذلك حسب فوكو نتيجة أعمال الشغب المعادية لإسرائيل والمعادية للسامية. ويضيف إدوارد سعيد بأن أحد زملائه التونسيين حكى له في ثمانينيات القرن الماضي أنه " تمّ طُرده لأسباب أخرى. ما زلت لا أعرف أي حكاية هي الصحيحة".
يحكي إدوارد سعيد أن فوكو أخبره يومئذ بأنه عاد منذ فترة قريب من إيران كمراسل لصحيفة إيطالية. وفي أواخر الثمانينيات سيسرُّ جيل دولوز لإدوار بأنّه حصل انفصال بعد تقارب كبير بينه وفوكو، بسبب الخلاف حول القضية الفلسطينية، بتعبير إدوار: "فوكو يدعم إسرائيل، ودولوز يدعم الفلسطينيين، فلا عجب أن لا يناقش معي أو غيري مسألة الشرق الأوسط ".
عندما تحدث إدوارد سعيد عن سارتر، كان يشير إلى من كان يؤطر النقاش وربما هو من كتب الخطاب الرديء لساتر الذي بالكاد تحدث لتجاوز الموقف، يقصد فيكتور، بعد أن كان هذا الأخير ماويا تحول الآن إلى يهودي متدين وأورتذكسي كما يصفه إدوارد، حيث سيكتشف بأنّ أصله يهودي مصري إسمه بيني ليفي شقيق عادل رأفت، وثُنائِيُّه بغيت المعروف باسم محمود حسين، حيث عملا تحت هذا الإسم في اليونسكو. كما أشار إدوارد إلى هيلين فون بولو
التي كانت تتقن ثلاث لغات وهي مترجمة لسارتر الذي سيكشف ادوار خيبة أمل أخرى، وهي أن سارتر كان يجهل الألمانية على الرغم من إقامته فترة في ألمانيا وكتب عن هيدغر وغيره من الفلاسفة الألمان، كما أنه كان يجهل الإنجليزية. سيحتفظ سارتر بصمت مريب طيلة اليوم، بينما كان فيكتور كما يروي إدوارد يحدد القوانين، دون استشارة أحد، ويتهامس مع سارتر، فيقول ادوارد بأن هذا الأخير وبنوع من الغطرسة فرض علينا مناقشة الآتي:
1- قيمة اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل
2- مسألة السلام بين إسرائيل والعرب
3- شروط أعمق للتعايش الممكن بين إسرائيل والمحيط العربي
لا أحد من العرب الحاضرين، حسب إدوارد، كان راضيا، ومنهم الدقاق الذي سيغادر الجلسة.
لم يعد إدوار متحمسا حدّ الغرابة للقاء سارتر، خيبة أمل سيعبر عنها قائلا: " تساءلت مع نفسي: هل كنت ساذجا جدا ومتحمسا جدا للذهاب إلى باريس للقاء سارتر؟".
يصف إدوارد خيبة أمله تجاه سارتر وسيمون دي بوفوار:
"اتضح أنّ سيمون دي بوفوار كانت خيبة أمل كبرى، هذا فضلا عن أنه بعد ساعة من الحديث المسهب والدوغمائي حول الإسلام وارتداء الحجاب، غادرت الجلسة". أما عن سارتر الذي لم يقل شيئا، ولا كان لحضوره حينئذ أي إثارة، وبدا كالأصم، كالشبح بل " بدا لي قبحه الذي هو مضرب المثل".
أدرك أخير إدوارد غاية الاجتماع، لقاء صمم لتكون لكل واحد كلمة دون فتح المجال لأي نقاش، كانت الغاية هي التطبيع، وليس الفلسطينيين. خيبة الأمل كما يرويها إدوارد سعيد تتجلى في أنه رأى نفسه ككل العرب الآخرين مدفوعين بحسن النية لإقناع مثقف كبير مثل سارتر. ففي اليوم التالي وأخيرا سيتحدث سارتر، لكن ماذا سيقول يا ترى؟ سيثني على الموقف الشجاع للسادات، ثم ماذا؟ يقول ادوارد: " لقد ذهلت لما رأيت البطل الفكري استسلم، في سنواته الأخيرة، لمعلم رجعي(يقصد فيكتور)".
يرى إدوارد بأن سارتر الذي يخالف مثله الأعلى جان جونيه، سيظل وفيا لمبادئه الفلسفية الصهيونية، وذلك خوفا من أن يتهم بمعاداته للسامية. فباستثناء موقفه في المسألة الجزائرية لم تؤثر القضية العربية عليه كثيرا، وذلك إما بسبب إسرائيل أو لأسباب ثقافية. يقول إدوارد سعيد: " بعد عام من لقائنا القصير والمخيب للآمال في باريس، توفيّ سارتر. أذكر بكل وضوح مدى الحزن الذي انتابني على وفاته".
تبدو هذه وثيقة، بكل التفاصيل التي رواها إدوارد سعيد، والذي كان مدفوعا كمثقف بحسن نية لرؤية سارتر يقف من فلسطين الموقف نفسه الذي عُرف عنه بخصوص الجزائر، فيتنام وقضايا أخرى. وهي من ناحية أخرى، أنّ مسار التطبيع طويل، وأنّه لا بدّ أن يبدأ من اللحظة التي أمضى فيها السادات على معادة السلام، وهو لهذا نال ثناء سارتر في بيان، يرجح إدوارد أن من كتبه هو فيكتور.
ثم الأهم من ذلك، أن سارتر كان مع ذلك صامتا، وهذا هو ما يؤكد أنّه غير متحمّس لقضية شديدة التعقيد، ربما قد ينجو سارتر من فرنسا نفسها حين ناهض احتلالها للجزائر، ولكنه لن يفلت من إسرائيل إن هو وقف الموقف نفسه. هذا يؤكد أن الاحتلال اشتغل ويشتغل على قمع الفعل التضامني في الغرب، الغرب الذي وصفه دولوز بأنه هو وليس العرب، مدين بتعويض اليهود. وسارتر الفيلسوف الوجودي يدرك ما واجهه هيدغر في موضوع معاداة السامية. ويؤكد كل هذا خطورة موقف وموقع المثقف من هذا النضال المثقل بالمفاهيم الرخوة وخيبات الأمل. بات المثقف الغربي رهينة لشعار ملتبس، وسيحاول الاحتلال أن يعيد إنتاج الوضعية نفسها في الوطن العربي. الفرق هنا أن سارتر وفوكو سكتا، لكن المثقف العربي غير العضوي، ومن دون سابق إنذار، يمنح الاحتلال تاريخا وفلسفة أقوى من أساطيره المؤسسة للاحتلال، بل الأكثر من ذلك، إنّ المثقف حتى العضوي، يعاني من مستويات عديدة من القمع والتّآمر والاستهتار، بعضها يفوق تدابير المحتل، أعني التّآمر الذي تمثلّه دكاكين الـ"بيتاع"، الذي يزداد قبحها وغباؤها وتفاهتها يوما بعد يوم.

