ردا على أحمد الجارالله
الكاتب: الصحفي مصطفى شهاب
يقول رئيس تحرير جريدة السياسة أحمد الجارالله مخاطبا سمو ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان: اعقلها وتوكل. وقد تكون هذه هي الكلمة الصواب الوحيدة في مقاله. وأنا أقول لسموه الكريم أيضاً: اعقلها وتوكل، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، وعقل الناقة قبل إطلاقها في المرعى ضمان لعدم ضياعها، ونحن في عالمنا العربي كثيرا ما ضللنا الطريق لأننا لم نحسب للنتائج بوعي وتأن وإدراك قبل أن نقحم أنفسنا فيه.
يرى البعض أن ما أقدم عليه السادات قبل نهايته المأساوية ومن تبعه من القادة العرب بما فيهم ياسر عرفات في أوسلو والملك حسين في وادي عربة ذكاء ودها سياسي. على أن النتائج التي حصدها الثلاث، وما تلا ذلك من تساقط لأحجار الضومنة في عمليات التطبيع المهزلة التي لم يكن لأي منها أي مسوغ ولم ولن تفهم إلا أنها خضوع للابتزاز الأميركي خدمة لضمان أمن واستقرار وبقاء (إسرائيل) في المنطقة برغم كل ما سوق من تبريرات واهية لها، كان آخرها فرحة المغرب الشقيق باعتراف دولة الكيان الصهيوني بمغربية الصحراء وكأنها حققت بذلك نصرا مؤزرا. ولا ننسى طبعا دول الخليج العربية عدا المملكة والكويت والتي ظنت واهمة أن الصهاينة في فلسطين المحتلة سيحموها من خطر إيران الداهم ناسين أو متناسين أن الخصمين الظاهريين ما هما إلا وجهان لذات العملة الرديئة التي لا تضمر خيرا لأمة العرب وللإسلام وللمسلمين. ولا أدري أي حماية يحتاجون والقواعد الأميركية والأساطيل الأميركية قابعة في ديارهم؟!
سؤال طرحه رئيس وزراء جيبوتي في التسعينات (لم أعد أذكر اسمه) ونشرت التصريح في حينه في صحيفة الحياة وأثار أزمة دبلوماسية بين فرنسا وجيبوتي حين قال رئيس الوزراء تعليقا على القلاقل التي كانت تشهدها بلاده في تلك الفترة: ما جدوى القاعدة الفرنسية في جيبوتي إذا لم يقدموا لنا الدعم؟ وأنا أطرح على إخوتنا في دول الخليج ذات السؤال وأسألهم لمَ لمْ يتم تطوير وتعزيز قوات درع الجزيرة بعديدها وعدتها مع كل ما لديكم من أموال بعد كل تلك السنين والتي أعتقد أنها لا تزال تلك القوة الرمزية التي لا يزيد عدد أفرادها عن الإثني عشر ألفا؟؟؟
يا سمو الأمير، تقتضي خطوة التطبيع مع دولة الكيان ناهيك عن عدالة قضية إخوتكم في فلسطين وبعدها القومي والديني والإنساني، الكثير من التروي وإجراء عملية حساب الربح والخسارة، فأي ربح وفوائد ستجنيها المملكة التي تخطب كل الدول العظمى في العالم ودها؟ هل نحن بحاجة لدعم من دولة الكيان؟ وما هو حجم هذا الدعم إن وجد أصلا قياسا بمفهوم الربح والخسارة. فلسطين قضية مبدأ وضمير أولا، وهي ليست سلعة لنساوم عليها. قبِلَ الفلسطينيون بمبادرة السلام التي طرحها الملك فهد رحمه الله عام 1882 ورفضتها أميركا وردت عليها بنقاط ريغان الثمان ورفضت هي وبريطانيا استقبال اللجنة الرباعية العربية التي أوفدتها القمة للتسويق للمبادرة لأنها ضمت وزير خارجية فلسطين في حينه فاروق قدومي واستقبلت ثلاثة من الوزراء. وقبل الفلسطينيون مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبدالله رحمه الله واعتمدتها القمة العربية في بيروت عام 2002، ومد الفلسطينيون الذين تُركوا من غير دعم أيديهم للسلام وذهبوا مخطئين إلى أوسلو، فماذا كانت النتيجة.
إن أي رهان على مصداقية (إسرائيل) بكل حكوماتها بأي تعهد يقطعونه لكم هو كمن يقبض على الريح بين كفيه. المملكة هي الجائزة الكبرى التي تتمناها دولة الكيان ورئيس وزرائها الكذوب نتنياهو. أفلا يجب أن يكون لهذه الجائزة ما تستحق من ثمن تستطيع به المملكة أن تتباهى وتفخر، فهل أقل من قبول مبادرة السلام العربية وانسحاب (إسرائل) إلى حدود الرابع من حزيران، وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية. نحن نتعامل مع عدو ليس له مصداقية، ولا يعرف معنى الوفاء. والأيام أثبتت ذلك مرارا وتكرارا. إنهم لا يرقبون فينا إلا ولا ذمة.
فتبصروا وأنتم أهل بصر وبصيرة. حفظكم الله وسدد على دروب الخير والعز والرفعة خطاكم.

