تناقض الغرب الرأسمالي
الكاتب: عمر حلمي الغول
ونحن نتابع مواقف الدول الغربية عموما نجد ان هناك تناقضا بين مواقف الدولة العميقة فيها المشاركة والداعمة لحرب الإبادة الإسرائيلية، ومواقف الأنظمة السياسية التي تأثرت بالرأي العام الداخلي فيها والعالمي الرافض لادامة واستمرارية الحرب على أبناء الشعب الفلسطيني في محافظات غزة، انطلاقا من حرص الأنظمة على مكانتها وبقائها في الحكم. لا سيما وان هناك تعاظما وتوسعا عموديا وافقيا في أوساط الشعوب الغربية خصوصا والرأي العام العالمي عموما، وأيضا لتأثيرات وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والرقمية، التي في غالبيتها العظمى تؤيد وقف حرب الإبادة الاجرامية الصهيو أميركية على قطاع غزة، حيث سقط ما يزيد على العشرين الف شهيد واثنن وخمسين الف جريح، بالإضافة لقرابة عشرة الاف مفقود او تحت الأنقاض، والاف المعتقلين، وتدمير مئات الاف الوحدات السكنية واستباحة المستشفيات وأماكن العبادة والمدارس والبني التحتية، وفرض العقاب الجماعي واستنزاف المدنيين بالجوع والفاقة والحرمان من أماكن الايواء الامنة لكي وعيهم الوطني، والايغال في عمليات التطهير العرقي .
على سبيل المثال لا الحصر، أصدرت كل من كندا ونيوزليندا وأستراليا يوم الأربعاء 13 ديسمبر الماضي، وهم من الانكلوسكسون وأقرب الحلفاء للولايات المتحدة بيانا مشتركا، دعت فيه الى وقف إنساني لإطلاق النار في الحرب بين إسرائيل واذرع المقاومة الفلسطينية. كما ان وزيري خارجية بريطانيا، ديفيد كاميرون والمانيا أناليا بربوك امس الاحد 17 ديسمبر الحالي نشرا مقالا في صحيفة "التايمز" دعيا فيه الى وقف اطلاق النار فورا، وطالبا جميع الأطراف في الشرق الأوسط الى العمل من اجل حل الدولتين بمجرد وقف الحرب، وعبرا عن قسوة اللحظة التي تنفطر لها القلوب عند مشاهدة هذا العدد الكبير من الأطفال يقتلون او يصابون.
والاسئلة التي تطرح نفسها على تلك الدول المتورطة جميعها بالحرب على قطاع غزة المحاصر والمنكوب بالاستعمار الإسرائيلي، كيف تستقيم الدعوة لوقف اطلاق النار، وحاملات طائراتهم وبوارجهم وجنودهم مشاركين في الحرب، وايدهم ملطخة بالدم الفلسطيني؟ وما هي معايير مصداقيتهم تجاه ما نادوا به والشعب الفلسطيني يذبح من الوريد الى الوريد؟ وهل لمواقفهم رصيد حقيقي ام انها دعوات شكلية تحت ضغط الرأي العام في أوساط شعوبها والرأي العام العالمي؟ وهل تكفي الدعوة والكتابة عن وقف الحرب دون اقرانها بخطوات عملية لتجسيد اقوالهم ومطالباتهم؟ واذا توقفنا امام الموقف البريطاني، ودققنا في موقفها السابق من مشروع القرار العربي يوم الأربعاء 13 من ديسمبر الماضي عندما امتنعت عن التصويت على القرار، رغم تصويت ثلاثة عشر دولة لصالح القرار، الذي استخدمت واشنطن ضده حق النقض الفيتو، ودعوتها في مقال وزير خارجيتها كاميرون لوقف الحرب امس، كيف يمكن لاي انسان ان يقرأ هذا التناقض؟ وهل مؤتمر السلام المطلوب يقتصر على دول الشرق الأوسط، ام ان المؤتمر الدولي للسلام يفترض ان يطالب دولها مع الولايات المتحدة أولا ودول العالم ثانيا لانجاح اعمال المؤتمر، وتجسيد خيار حل الدولتين؟
من يريد وقف حرب الأرض المحروقة الجهنمية على قطاع غزة خصوصا وفلسطين عموما، ومن يتبنى الدعوة لخيار السلام وحل الدولتين على حدود الرابع من يونيو 1967، عليه ان يعمل على التالي فورا: أولا سحب قواته العسكرية المشاركة بالحرب دون تردد؛ ثانيا تأمين دخول المساعدات الإنسانية من مواد غذائية وادوية ومستلزمات طبية ووقود وإعادة الكهرباء وضخ المياه الصالحة للشرب، ووقف التهجير القسري للفلسطينيين؛ ثالثا عدم التساوق مع رؤية وبرنامج نتنياهو وأركان حكومة حربه ومشاريعهم الأمنية، والزامهم بوقف الحرب فورا؛ رابعا تبادل الاسرى الشامل للمعتلقين الفلسطينيين مقابل الافراج عن الاسرى الإسرائيليين؛ خامسا الاعتراف بالدولة الفلسطينية مباشرة والان قبل ان تنقشع غبار الحرب؛ سادسا دعم توجه القيادة الفلسطينية لرفع مكانة دولة فلسطين في الأمم المتحدة لدولة كاملة العضوية؛ سادسا عقد المؤتمر الدولي لتكريس خيار حل الدولتين على حدود الرابع من يونيو 1967 وضمان عودة اللاجيئن لديارهم التي طردوا منها عام النكبة عام 1948.
دون ذلك، ستبقى دعواتهم وكتاباتهم دون رصيد، ولا تساوي بنسا واحدا، فإما ان يكون هناك توافق حقيقي بين الاقوال والافعال، واما ان يبيعوا بضاعتهم في سوق النخاسة. لانها بلا جدوى.

