كاتس وجزيرة الأوهام
الكاتب: عمر حلمي الغول
ملف التهجير القسري والتطهير العرقي للشعب العربي الفلسطيني لم يزل عن طاولة القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، وفي زمن حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ 110 أيام حتى اللحظة يتكثف ويتركز الحديث في اوساطهم بتواتر عال حول عملية التهجير من قبل اركان قيادة الحرب، ويعملون على تكريسه عبر حرب الأرض المحروقة. فإضافة الى انه هدف استراتيجي للحركة الصهيونية وحكومات إسرائيل المتعاقبة، فهو يحتل ما بعد 7 أكتوبر الحاحيه أكثر من السابق، لماذا؟ لان الشعور الداخلي الإسرائيلي باقتراب أجل المملكة اليهودية الصهيونية الثالثة، وكون العملية الفدائية الكبرى في أكتوبر عمقت القناعة في أوساط المجتمع الإسرائيلي بمختلف اطيافه عموما والنخب السياسية والعسكرية خصوصا من ترجيح اندثار الدولة الإسرائيلية اللقيطة. لأنها ضربت فكرة المشروع الصهيوني في الصميم، وتركت ندوب سوداء عميقة على ديمومة الدولة العبرية، وكشفت ظهرها، وعرت إفلاسها كأداة وظيفية قادرة على مواصلة دورها، الذي أقيمت من اجله.
وكما ذكرت فيما سبق، ان هزيمة إسرائيل الأولى، هي هزيمتها الأخيرة. كونها لا تقبل القسمة على ركيزتين، الأولى مطلق هزيمة، والثانية اية عملية سلام. لان كلا الحالتين تهددان بقاء واستمرار الدور الوظيفي، وتفتح فوهة بركان التناقضات السياسية والعسكرية والاجتماعية والدينية، وتدفع نحو اشعال نار الحرب الاهلية، وتضاعف من عمليات الهجرة المعاكسة والتمهيد لزوال الدولة.
وقد أكون حالما، او مبالغا في استنتاجي العلمي، بأن مشغلي وأصحاب المشروع الصهيوني في الغرب الرأسمالي وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأميركية سيعيدون النظر في الأهمية الاستراتيجية للدولة الإسرائيلية في المستقبل المنظور، بعد سلسلة دراسات في أوساط صناع القرار والدولة العميقة هنا او هناك. لان فزاعة إسرائيل، والعصا الغليظة، التي كانت تمثلها، وانكشاف افلاس أجهزتها الأمنية وخاصة برامجها السيبرانية واسلحتها المختلفة من الدبابة ميركافا الى القبة الحديدية الى مقلاع داود، حيث تبين انها مجرد بالونات منفوخة، ولا تساوي شيئا في النطاق الميداني، وكشف عن هشاشتها وتهكتها، الامر الذي سيدفع عرب التطبيع ودول الإقليم ودول العالم كافة لاعادة نظر في علاقاتهم معها. لانه تأكد ان إسرائيل هي من يحتاج للحماية، وليست تلك الدول، وبالتالي لم تعد ذات جدوى مرجوة لا سياسيا ولا عسكريا ولا امنيا.
لكل ما تقدم، تعمل القيادة المهزومة والمرعوبة على تسريع عملية التطهير العرقي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الفلسطينية وفي ال48. لانها كلما وسعت وعمقت عمليات التهجير القسري للخارج، كلما ساهم ذلك بإطالة عمرها وبقاءها. لانها تخشى مما ينتظرها في اليوم التالي للحرب، مما يدعوها الى التمسك بأكثر من هدف، أولا إطالة امد الحرب لعلها تتمكن من إعادة الاعتبار لمكانتها في الداخل الإسرائيلي والمحيط العربي والاقليم، ثانيا الخشية من اليوم التالي للحرب، الذي لا يتعلق بانتهاء دور نتنياهو السياسي، وذهابه للسجن. ولكن لخوفها من الزلزال الذي سيضرب مكونات الدولة الإسرائيلية وتداعياتها الداخلية، التي تحمل في طياتها انفجار دوامة الحرب الاهلية بشكل واسع.
من هنا جاء اقتراح وزير الخارجية الإسرائيلي، كاتس لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قبل يومين بفكرة إقامة جزيرة في البحر للفلسطينيين، كأحد الحلول لتنفيذ عملية التطهير العرقي بعد أن رفض الاشقاء العرب وخاصة مصر والأردن من تمرير المخطط الاجرامي، وهي فكرة واهمة وواهية، ولا تقبل القسمة على خيارات الشعب العربي الفلسطيني. وإذا كان ولا بد لبناء جزيرة لاحد، فالاجدر ان تبنى لليهود الخزر، الذين جلبتهم الحركة الصهيونية والغرب الرأسمالي لتشكيل دولة المرتزقة على ارض فلسطين وعلى حساب نكبة شعبها الأصيل، صاحب الأرض والتاريخ والموروث الحضاري، في حال رفضوا او لا يرغبون بالعودة لبلدانهم، او حتى لاشباع رغباتهم بوجود دولة.
والتجربة التاريخية اكدت لكاتس ونتنياهو وبن غوريون وشمير وبيغن ورابين وبيرس ومن لف لفهم من قادة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ان الشعب العربي الفلسطيني مع صباح كل يوم يزداد تمسكه بارض وطنه الام فلسطين، ولن يرحل منها لالف اعتبار واعتبار. لكن انتم المارون والعابرون بلا استئذان، وفرضكم الغرب الرأسمالي، وكونكم لا تملكون تاريخا ولا تراثا ولكم مئة هوية اثنية، فالافضل والاسلم والانسب لكم العودة لبلدانكم او عودوا الى بيروبيجان في روسيا او اقيموا جزيرة في البحر الأبيض المتوسط او أي بحر ومحيط تريدون. هنا لا مستقبل لكم ان واصلتم رفض خيار السلام.

