محكمة العدل وإسرائيل
الكاتب: عمر حلمي الغول
تضاربت الآراء في أوساط القيادات السياسية والعسكرية والمنابر الإعلامية الإسرائيلية تجاه احكام وتدابير محكمة العدل الدولية المؤقتة اول امس الجمعة 26 يناير الحالي، وعكست الارباك الحاصل في قراءة تلك الاحكام، واتسم موقف قيادات المستوى السياسي بالغضب والازدراء منها، في حين اعتبرتها وسائل الاعلام "إيجابية" لجهة انها لم تطلب وقف اطلاق النار فورا، وتناسى الاعلام الإسرائيلي الكثير من التدابير، التي تشي بارتكاب دولتهم حرب ابدة جماعية، وبقاء إسرائيل في قفص الاتهام.
ومن ردود الفعل المباشرة قال نتنياهو، رئيس حكومة الحرب أن "تهمة الإبادة الجماعية الموجهة ضد إسرائيل ليست كاذبة فحسب، بل شنيعة – إسرائيل ستواصل الحرب حتى تحقق أهدافها". وانتقد وزير الحرب غالانت المحكمة لقبولها النظر في دعوى جنوب افريقيا. وتابع في تصريح مكتوب إن "إسرائيل لا تحتاج الى القاء محاضرات عن الاخلاق حتى تتمكن من التمييز بين الإرهابيين والسكان المدنيين في غزة." وكأن الذين سحقت إسرائيل أجسادهم وابادتهم من المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين بلغ عددهم 100 الف مواطن بين شهيد وجريح، فضلا عن التدمير الهائل للوحدات السكنية والمستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والمعابد الإسلامية والمسيحية والبنى التحتية، والدعوة للتهجير القسري لمصر، ودعوة الدول الأوروبية والأميركية اللاتينية لفتح أبوابها لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين يدخل في اطار "اخلاق" الدولة الإسرائيلية المارقة والخارجة على القانون، و"الالتزام بالقانون الدولي"، الامر الذي يفضح ويعري أكاذيب وزير الحرب، الذي وصف الفلسطينيين بوحوش ادمية. وأضاف "لقد ذهبت محكمة العدل الدولية الى ابعد من ذلك عندما وافقت على طلب جنوب افريقيا المعادي للسامية بمناقشة ادعاءات الإبادة الجماعية في غزة."
وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية في تصريح مكتوب "إن تهمة الإبادة الجماعية الموجهة ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية باطلة وشائنة." وزعمت أن ما وصفتها "بالمحاولة الدنيئة التي قامت بها جنوب افريقيا لحرمان إسرائيل من حق الدفاع عن نفسها قد قوبلت بالرفض العادل." وتجاهلت الخارجية ان دولتها القائمة بالاستعمار وحرب الإبادة الجماعية ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني في فلسطين التاريخية لا يجوز لها من حيث المبدأ الادعاء بان لها الحق بالدفاع عن نفسها، لانها ترتكب ابشع اشكال حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني من خلال انتهاكاتها وجرائم حربها بدءا من الاستيطان الاستعماري والتهويد والمصادرة وبناء الوحدات الاستعمارية في أراضي دولة فلسطين المحتلة دون استثناء، وتقوم بعمليات القتل الاعتقال والتدمير والتطهير العرقي، وسن القوانين العنصرية لتصفية الشعب وحقوقه الوطنية.
في حين اتهم وزير ما يسمى بالامن القومي، ايتمار بن غفير المحكمة بانها "معادية للسامية"، وزعم ان قرارها "يثبت ما كان معروفا مسبقا" بان المحكمة " لا تسعى الى العدالة"، وتابع " لا يجب الاستماع الى القرارات التي تهدد استمرار وجود دولة إسرائيل." وأكد على مواصلة حرب الإبادة الجماعية ضد أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وعبر وزير المالية، سموتيرش عن غضبه من القرار القضائي الدولي في تغريدة على موقعه في منصة "اكس" بالقول إن "قضاة لاهاي القلقون بشأن الوضع الذي يعيشه الغزيون، مدعوون لدعوة بلدان العالم لفتح ابوابهم والمساعدة في استقبال وإعادة تأهيل سكان غزة." وهذه الدعوة بحد ذاتها، هي جزء اصيل من حرب الإبادة والتطهير العرقي، وتعكس اخلاق دولة قانون الغاب الوحشي. وقال النائب في حزب سموتيرش "الصهيونية الدينية" زفي سوكوت إن المحكمة هي "سلاح سياسي لمعاداة السامية المحدثة المجرمة." ووصفها بالسيرك المنافق، حسب صحيفة معاريف الإسرائيلية.
اما وسائل الاعلام الإسرائيلية ومنها : "يسرائيل هيوم" و"جيروزاليم بوست" و"هارتس" وموقع "واينت" التابع لصحيفة "يديعوت احرونوت" فغردت مبتهجة اجمالا لان المحكمة لم تطلب من إسرائيل وقف الحرب فورا، ونسيت تلك الوسائل ان احكام وتدابير العدل الدولية الملزمة تضمنت ذلك بشكل غير مباشر، ولكن خانهم معرفتهم بالقانون الدولي، ولم يدركوا أيضا ان دولتهم وضعت للمرة الأولى في التاريخ منذ قيامها قبل 76 عاما في قفص الاتهام، وتم رفع الغطاء عنها، وباتت مكشوفة امام العالم كدولة حرب إبادة جماعية.
النتيجة المنطقية لمجمل المواقف السياسية والإعلامية أظهرت التخبط والافلاس في أوساط النخب المختلفة. مع ان القيادات السياسية والعسكرية ادركت الاخطار الناجمة عن الاحكام والتدابير التي اتخذتها المحكمة، لهذا وصفها نتنياهو ب"العار" و"الشائنة". كما ابرزت ردود الفعل عن التحريض على اعمال الإبادة من خلال مجمل المواقف المعلنة بمواصلة حرب الإبادة الجماعية بالعمليات العسكرية وحرب التطهير العرقي والتهجير القسري، ولم ينفعهم ولن يفيدهم التلفع بعباءة "معاداة السامية: التي اتهموا فيها قضاة المحكمة الخمسة عشر، وهم من قارات العالم المختلفة، والتي ترأسهم قاضية أميركية يهودية باسطوانتهم المشروخة، والتي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع، او تغطي عار الدولة الإسرائيلية اللقيطة.
وعليه تتطلب المسؤولية الفلسطينية الرسمية والشعبية المراكمة على التدابير والاحكام الإيجابية لمحكمة العدل الدولية لبلوغ الهدف بتثبيت تهمة ارتكاب دولة إسرائيل حرب إبادة جماعية ضد أبناء الشعب في محافظات الوطن كافة، وفي الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة داخل إسرائيل وخاصة في قطاع غزة. لان الأدلة والبراهين الماثلة امام العالم قاطبة تفضح ادعاءات إسرائيل والإدارة الأميركية ومن يدور في فلكهم.

