الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:32 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:21 PM
العشاء 8:42 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

"انهى وجوده لينقذ إنسانيته"

بقلم :عمار جمهور

إضرام الجندي الأميركي آرون بوشنيل النار في نفسه أمام السفارة الإسرائيلية في الولايات المتحدة لم يكن حادثًا عرضيًّا، بل بني بالأساس على دوافع إنسانية عميقة، جعلت هذا الجندي بكل بساطة ينتصر بآدميته لدوافعه الإنسانية من خلال بواعث قيمية عميقة ليسجل مشهدًا غير مألوف على الإطلاق. وسيشكل هذا المشهد التراجيدي علامة فارقة مبنية على فلسفة عميقة ترتكز بالأساس على قيم التضحية والفداء تجاه الآخر من جانب، والتطوعية من أجل حرية الآخر وحقه الوجودي. هذا المشهد أنموذج متمرد على المنظومة القيمية التي روج ولا يزال المجتمع الغربي والمتمثلة بالحقوق وحقوق الآخرين والحريات والديمقراطية والقوانين والمواثيق والقرارات وغيرها من المصطلحات التي كان يتغنى بها كأفضلية تمايزية، سرعان ما تهاوت بفعل الحرب على الشعب الفلسطيني، وكشف زيف ادعائها في تناقض صارخ ما بين الادعاء من جانب والممارسة الفعلية من جانب آخر. الامر الذي عمق ولا يزال الفجوة الكبيرة الفارغة جراء تراجع صدقيتها، التي باتت تملأ بالفبركة تارة والتصريحات "اللافعلية" المناقضة للواقع ذات الاستهلاك السياسي جراء ضغط الشارع تارة اخرى. وتراجع الاعتقاد القائم على الوهم في أذهان القوى الغربية، التي ادعت "المنظومة الرسمية الغربية" أنها باتت تعتبر خلاصة الحضارات الإنسانية وأنها تتويج لفردانيتها والحارس الأمين على مصلحة الإنسانية وأن الحضارة الغربية وصلت لنهايتها القيمية السامية. عندما تتشظى مكانة المنظومة الفكرية، السياسية والاجتماعية والثقافية...الخ، ويتراجع إيمان الفرد بصدقية منظومته الحاكمة، يبدأ التفكير في خلاصه الفردي بما يتماشى مع تحقيق ذاته وأهدافه ورغباته. فبالرغم من محاولة الإعلام الغربي فبركة الحقائق والالتواء عليها واللجوء نحو الكذب، فما الذي يدفعها أو يجبرها على الكذب؟ وما الذي تخفيه؟ ولماذا تخفيه؟ ومم تخاف وهي ذات النفوذ والسطوة والسلطة؟ أسئلة تدور منذ اليوم الأول للحرب على قطاع غزة، بلا جواب، لكن لعلي وجدت الاجابة: فهي تخشى ما لا تتوقعه ولا تحمد عقباه. فمشهد الجندي الأميركي وهو يضرم النار بنفسه يحمل عمقًا فلسفيًّا معرفيًّا يتمثل بأنه في اللحظة التي أضرم فيها النار بنفسه أنهى وجوده، لينقذ وجدان العالم تجاه ما يحدث من مجازر وإبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أي أنه أنهى وجوده للحفاظ على وجود "الفلسطيني"، وليشكل علامة فارقة في أساليب وأدوات حركات التضامن مع القضية الفلسطينية في العالم. فمفهوم الفداء من أجل الآخر يعد من أنبل سبل التضحية لدى الحضارات الإنسانية المتعاقبة على مر التاريخ ومنها الحضارة اليابانية والحضارة العربية الإسلامية، بالإضافة إلى التضحيات التي قدمتها الثورات الأوروبية وغيرها، وصولاً إلى الشعب الفلسطيني الذي ضرب مثالاً للإنسانية جمعاء بفعل الأعمال الفدائية وغيرها. أفعال التضحية تقوم بفلسفتها على أنه في اللحظة التي يقرر الفدائي التضحية بنفسه يصبح هو المركز، ومن حوله هو الهامش، وتنهار مقولة يستحيل أن يصبح الهامش مركزًا والمركز هامشًا، فيصبح الهامش هو الفاعل في المعادلة كونه صاحب الفعل وصاحب التوقيت وصاحب الأسلوب والطريقة التي تنبع أهميتها من أنها من الصعب التنبؤ بزمان ومكان وكيفية تنفيذها، أما المركز فيقف عاجزًا في حقيقة الأمر ويصبح عمله في هكذا حالات مجرد تابع يدور في مدارات هلامية في فلك الهامش فاقدًا السيطرة نظريًّا وعمليًّا عما يمكن أن يعمله أو يتوقعه أصلاً وينهار تفوقه التقني، ويعجز عن التعامل مع الأسلوب التقليدي، فكلما تقدم حداثيًّا، أعاده الهامش إلى الأعمال التقليدية غير المتوقعة أساسًا. وفي مشهد حرق الجندي لذاته أصبح هو المركز موثقًا في بث مباشر لفعله، ليصبح العالم كله هامشًا يدور حول مشهدية الحرق. ولا مجال لوهلة للتشكيك بصدقية هذا المشهد، فقد جاء من عقر البيت الأميركي ومن صلب الفكر الغربي، متسلحًا بزيه العسكري ليروي روايته ويبثها للعالم بما لا يدع مجال للتشكيك بدوافعه، فهو ليس من "الآخر" النقيض، فهو رجل الحضارة الأميركية الغربية "الابيض"، في التشكيك بهويته، فهو ليس "بربريًّا" ولا "همجيًّا"، وإنما متجرد من كل الإسقاطات الغربية المتعلقة بالصورة النمطية المبتذلة عن العربي أو الشرقي بشكل عام. كما أنه لم يؤذ أحدًا أو ينظر لفكر ما أو لجهة ما، إنما رد فعله لعمقه الإنساني فقط وفقط. وهنا يبرز مفهومان أساسيان وهما معقولية النصر ومعقولية الهزيمة، أما معقولية النصر فهيتقود إلى حتمية مفادها أن الفاعل يرى نفسه منتصرًا حتى لو أنهى حياته في سبيل إنقاذ حياة آخرين. وأما معقولية الهزيمة فعندما يرى الفاعل أنه لا يجد ما يخسر وإن وجد ما يخسره فخسارة الآخر شيء حتمي لا مناص منها وهذا باعث من بواعث الرضى لدى الفاعل. وفي هذه الحالة فقد كان ما فعله "جنون نصر" وهزيمة في آن. ليفتح الباب على اتساه بشأن سبب الحريق لكل مشاهد ما سيضيف عمقًا كبيرًا لكيفية التعاطي مع القضية الفلسطينية التي باتت محور العالم وقدمت اختبارات صعبة أخفق فيها العالم المتحضر بكل ادعاءته.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...