نصرة غزة وشعب فلسطين بين الفقه والامل المنشود ..
الكاتب: احمد صيام
تحذيرات اممية عن كارثة إنسانية في غزة ، مع اقتراب العدوان الاسرائيلي البربري شهره السادس ، والذي طال البشر والحجر والشجر ، والنقص الحاد في الغذاء والمياه والدواء والعلاج والوقود ، وتفشي امراض ستصبح على المدى البعيد مزمنة ، مئات الالاف من البشر باتوا بلا ماوى بعد نزوحهم تحت وطأة القصف الجوي والمدفعي ونيران العدوان ، فافترشوا الارض والتحفوا السماء ، يتلقفون ما يَمن عليهم العالم الظالم بمساعدات مغمسة بالدم ، بالكاد يبقى منها الفتات بعد تعرضها للقصف الهمجي اثناء تهافت السكان للحصول عليها ، وذلك ضمن حملة تجويع تمارسها سلطات الاحتلال ومن يدعمها من العجم والعرب ، بحق مدنيين عزل على وشك ان يأكلوا لحم الميت ويحتسوا مياه الشرب الملوثة .
وضع في غزة هاشم ، يشابه الى حد ما الوضع الانساني الصعب في اقطار عربية ، ولكن الاختلاف ان الوضع العربي نشأ جراء نزاعات داخلية في اغلبها من صنع مستعمر خبيث يُبيت للامة ما هو اسوء من الوضع الراهن ، فيما في قطاع غزة وعموم الاراضي الفلسطينية المحتلة ، صراع مع محتل يستخدم شتى الوسائل الوحشية لابادة شعب وطمس تاريخه وثقافته ، في انتهاك فاضح لكافة القوانين الربانية والوضعية ، دون ادنى وازع او رادع ، بل بالعكس هناك من يتبنى هذه القوانين ويتشدق بها ويدعو لها بتشدد ويطالب بمحاسبة وعقاب كل من يخالفها ، فيما واقع الحال عكس ذلك تماما ، لانه في الوقت الذي يأتي فيه الحديث عن دولة الكيان وانتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني والانسان العربي ، يسود الصمت ويكتفي الداعمون لهذه الدولة بذرف الدموع والاعراب عن القلق والادانة .
ونحن على ابواب الشهر الفضيل ، شهر رمضان المبارك ، شهر الخير والبركة والتغيير ، التغيير في السلوك وتهذيب النفس وحثها الى النظر الى اخرين يكابدون المعاناة تلو المعاناة من ظلم الفقر، فكيف بأهل قطاع غزة خاصة وفلسطين عامة الذين يكابدون من ويلات ظلم احتلال جائر ويتعرضون لحصار ظالم وإبادة جماعية وتهجير وتجويع ، وفي الوقت نفسه يتصدون وحيدين ، ويقدمون الغالي والنفيس ، ويقارعون ذلك المحتل نيابة عن امة المليار ونصف ، دفاعا عن شرفها وقبلتها الاولى ومعراج نبيها ، ومهد المسيح عليهما السلام ، ومن دون شك ان ثبات هذه الفئة التي اصطفاها الله وصمودها هو ثبات للأمة ، وما تحصين خط الدفاع الاول الا درء للمخاطرالتي تحيط بها من كل جانب ، وحماية لماضيها وحاضرها ومستقبلها.
ويعقب الشهر الفضيل الاستعدادات لموسم الحج الذي يتهافت عليه جموع المسلمين من كل صوب وحدب لاتمام الركن الخامس للدين الحنيف ، فريضة سعى اليها المسلم ربما كثيرا ، وادخر لها من سني عمره ما استطاع لادائها ، لانها مشروطة لمن استطاع اليها سبيلا ، مالا وقوة بدنية ، والله تعالى اعلم ، وتشير الاحصائيات الاقتصادية الى ان السياحة الدينية للمملكة العربية السعودية من حج وعُمرة ، تُدر سنويا الى الخزينة السعودية ما بين 12 – 15 مليار دولار .
ومع اشتداد الظلم بحق اهل فلسطين ، خرجت دعوات مختلفة لرصد اموال الحج والعمرة لهذا العام لصالح اهل غزة ، للاغاثة وإعادة الاعمار ، من باب الموازنة بين القيام بواجب إنقاذ النفس وبين القيام بالواجبات الاخرى على أهميتها ، فقد رأى الامين العام السابق لحزب المؤتمر الوطني الاسلامي الاردني (زمزم) " ان واجب إنقاذ النفس هو الارجح وله الاولوية في هذه المرحلة التاريخية على وجه الحصر والتحديد" ، الامر الذي اشعل نقاشا في دور الفتوى والتشريع الاسلامية ، ففي الوقت الذي اكد فيه وكيل وزارة الاوقاف الاسبق في مصر الكاتب والباحث الاسلامي الدكتور سعد الفقي : " ان مثل هذه الدعوات باطلة وتصطدم وثوابت الشرع الحنيف ، وهناك وسائل كثيرة ومتعددة لدعم الشعب الفلسطيني دون الجور على فرائض اسلامية لا يجوز المساس بها " ، فيما كانت هناك فتاوي تؤكد على وجوب مساعدة اهل فلسطين ومنها فتوى عضو الهيئة العليا ولجنة الفتوى في المجمع الفقهي العراقي المفتي الدكتور طه أحمد الزيدي فتوى جاء فيها : " انه وفي ظل الظروف العصيبة التي يمر بها أهلنا في غزة العزة جراء العدوان الصهيوني وما يرتكبه جيش الاحتلال من جرائم وإبادة جماعية ، وتهجير قسري ، وحصار ظالم ، بحق أهل غزة الصابرين ، وقيام الحاجة الشديدة إلى إمدادهم بالغذاء والدواء والوقود وبقية مستلزمات الحياة الانسانية الكريمة ، نرى أن الإنفاق على أهل غزة من أفضل القربات وأعظم الطاعات ، وهو أولى من حج النافلة وعمرة التطوع ، مع ما فيهما من الخير والفضل ، وهذا ينسجم مع مقاصد الشريعة وأسرار التشريع والقواعد الكلية " ، واخرى صدرت عن هيئة علماء فلسطين ، اعتبرت فيها ان الذي ينفق ماله على حج التطوع وعمرة التطوع ويترك إخوانه الصابرين الثابتين في غزة العزة وفي الضفة الغربية دون أن ينفق عليهم فإنه يوقع نفسه في الإثم العظيم ، لأنه قام بالنافلة وترك الفرض ، فهو كمن يصلي السنة ويترك الفرض .
ويبقى التساؤل النابع من المفاضلة ما بين تقديم المساعدة العاجلة لسكان قطاع غزة وعموم ابناء الشعب الفلسطيني وشد ازرهم في صراعهم مع دولة الكيان وعدوانها الهمجي على فلسطين واهلها ، وتعزيز صمودهم في مواجهة سياسة التهويد والاستيطان والاحلال والتجويع والحصار الجائر والتطهير العرقي التي يتعرضون لها ، او التوجه لاداء مناسك الحج والعمرة ، او حج النافلة وعمرة التطوع ؟
بصرف النظر عن التباين في الاراء الشرعية والدعوات المتباينة ، الا ان الفقهاء اجمعوا على ضرورة مساعدة اهل فلسطين ولكن باختلاف الوسائل ، ومن الممكن ان تقدم المساعدات بما يكفل الحياة الكريمة لابناء الشعب الفلسطيني ومواجهة الساياسات الاسرائيلية الاستعمارية من دون المساس بالفرائض وثوابت الشرع الحنيف ، وهناك من القواعد الشرعية التي تحض على ذلك ، بل وتأمر بها ومنها : ما جاء في كتاب الله بسورة البقرة الاية 177 : " لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ "، وفي الاحاديث النبوية الشريفة : " انصر اخاك ظالما ام مظلوما " ، وفي حديث آخر : " ما آمن بي من بات شبعان وجاره الى جنبه جائع وهو يعلم ذلك " ، قواعد شرعية ، والله اعلم ، يمكن القياس عليها في المساعدة على رفع الظلم عن اهل فلسطين وسد افواه الجياع في الوطن العربي من محيطه الى خليجه ، وايواء من لا مأوى له ، وعدم الاكتفاء بالدعاء فقط ، بل المبادرة الى تقديم ما يلزم لسد احتياجاتهم .
ومن هنا فجل المسؤولية تقع على اولي الامر والنهي في العالمين العربي والاسلامي ، خاصة اؤلئك الذين يتمتعون بسطوة اقتصادية تكفي لسد احتياجات ، ليس المواطن الفلسطيني وحسب ، انما المواطن العربي على طول امتداد الوطن العربي من المحيط الى الخليج ، انطلاقا من الحديث الشريف : " كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته " .
ولا ينقطع الامل من امتنا العربية والاسلامية ، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ، مهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والدين الاسلامي الحنيف ، ورائدة العالم الاسلامي ، والتي طالما بادرت دوما ولم تألو جهدا ومواقفها تشهد على دعمها المنقطع النظير للشعب الفلسطيني ، لذا يقع على كاهلها اولا ومن ثم جاراتها من دول الخليج العربي الثرية التحرك العاجل لنصرة أهل غزة وفلسطين في قضيتهم العادلة ، واستخدام كل الوسائل المتاحة ، منها على سبيل المثال لا الحصر، تخصيص نسبة من ارباح موسم الحج والعمرة ، ومن الممكن ايضا تخصيص مقادير صدقة الفطر وزكاة الاموال .
واليوم وقد ضاقت على شعب فلسطين الدنيا بما رحبت ، وتكالبت أمم الظلم على أهل غزة هاشم ، تصير نصرتهم والله تعالى اعلم ، واجب شرعي وفضيلة دينية وضرورة انسانية ملحة ، وحديث المخلصين من أبناء هذه الأمة العظيمة وشغلهم الشاغل ، ونصرة من الاخ لاخيه .

