الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:48 AM
الظهر 12:40 PM
العصر 4:17 PM
المغرب 7:12 PM
العشاء 8:31 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

نقطة ضوء: “البلاد طلبت أهلها”

الكاتب: د. عدنان ملحم

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت هناك أيقونات وطنية بارزة تُضَخُّ الحياةَ والدفءَ والعنفوانَ في الجسد الفلسطيني المتماسك: لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي، مجالس طلبة الجامعات، النقابات المهنية المختلفة.

كانت هناك أسابيع عملٍ تطوعي تُشارك المواطنين مواسم قطف الزيتون والعنب واللوز، وفعاليات دعمٍ للمزارعين الذين تتعرض أراضيهم ومحاصيلهم وممتلكاتهم لحملات مصادرةٍ استيطانية، ونشاطات عَوْنَةٍ تُسهم في بناء منازلَ هدمها المحتل لأسباب شتّى، إضافة إلى مشاركاتٍ في احتفالاتٍ ومهرجاناتٍ ومؤتمراتٍ مجتمعيةٍ ووطنيةٍ وسياسية متعددة.

كانت هناك حافلاتٌ وخيمٌ ودبكاتٌ وأهازيجُ وهتافاتٌ وراياتٌ للوطن والأرض والشهداء والأسرى والجرحى. موائدُ طعامٍ تمتد أمام المشاركين: مقلوبة، مجدّرة، زيت وزيتون، جبنة وخيار، قلاية بندورة. ومشروباتُ شايٍ معطّرةٌ بالميرمية، وفناجينُ قهوةٍ بلا سكر.

كانت قلوبُ الناس ومشاعرُهم وأحضانُهم وبيوتُهم ساحاتِ حبٍّ وعطفٍ وتراحم. وظلّت الجامعاتُ والمدارسُ والبلدياتُ والدواوينُ والجمعياتُ والمساجدُ والكنائسُ مناراتِ دعمٍ ومساندةٍ وتعاضدٍ وتكاتف.

وفي الانتفاضة الأولى عام 1987، ذابت قلوبُ الناس ومشاعرُهم في جسد سيمفونيةٍ جماهيريةٍ شعبيةٍ سلميةٍ عزفها الفلسطينيون فوق تراب وطنهم، وصفّق العالمُ قاطبةً لصورها وأحداثها وإنجازاتها.

فَأَيْنَ ذَهَبَ كُلُّ هَذَا الجَمَالِ وَالأَلَقِ؟ مَنْ قَتَلَ هَذَا التَّارِيخَ وَصَلَبَ عُنُقَهُ عَلَى مِقْصَلَةِ التَّجَارِبِ؟ مَنْ دَفَنَ تِلْكَ الهَيْكَلِيَّاتِ الوَطَنِيَّةَ الرَّائِعَةَ وَوَزَّعَ تُرْكَتَهَا عَلَى الزَّعَمَاءِ وَالفَصَائِلِ وَالأَحْزَابِ وَالوِزَارَاتِ وَالسَّفَارَاتِ وَالرُّتَبِ وَالمَعَاشَاتِ وَالمُحَاصَصَاتِ؟

يُحْكَى أَنَّ هُنَاكَ طَبَقَةً سِيَاسِيَّةً وَطَنِيَّةً فِلَسْطِينِيَّةً مُوَزَّعَةً عَلَى مُخْتَلَفِ الأَحْزَابِ وَالتَّنْظِيمَاتِ وَالزَّعَمَاءِ، تَرَى فِي الْحَرَاكَاتِ الجَمَاهِيرِيَّةِ السِّلْمِيَّةِ مَصْدَرَ إِحْرَاجٍ لِهَيْبَتِهَا وَصُورَتِهَا وَنُفُوذِهَا!. 

وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يُعْتَقَدُ مِنْ قِبَلِ قِطَاعَاتٍ عَرِيضَةٍ مِنَ الجَمَاهِيرِ الفِلَسْطِينِيَّةِ أَنَّ النِّظَامَ السِّيَاسِيِّ وَالحِزْبِيَّ وَالفِصَائِلِيَّ الفِلَسْطِينِيَّ، وَزَعَمَاتِهِ وَفَصَائِلِهِ وَأَجْهِزَتِهِ، هُوَ الْوَرِيثُ الشَّرْعِيُّ لِتِلْكَ التَّجَارِبِ الجَمَاهِيرِيَّةِ الَّتِي تَمَيَّزَ بِهَا عَقْدُ الثَّمَانِينِيَّاتِ، وَإِزَاءَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ القِيَامُ بِجَمِيعِ نَشَاطَاتِهَا. 

إنّ تحويلَ الحركات والفصائل الوطنية الفلسطينية إلى أحزابٍ حاكمةٍ وهياكلَ وظيفيةٍ رسمية، وسيطرةَ سدنتها وزعمائها على معظم الوظائف والمناصب والقرارات العليا، وتغييبَ قادة العمل الجماهيري المجتمعي – وخاصة روّاد الأرض المحتلة – عن الصفوف الأولى وعملية صناعة القرار، وتحويلَ الثورة إلى ثروةٍ ورواتب، والإطاحةَ بأسس العدالة والمساواة والانتخابات، ووأدَ نظرية تدافع الأجيال، والفشلَ في رصِّ صفوف الشعب وتحقيق الوحدة الفلسطينية… قد أدّى إلى الإطاحة بالنضال الجماهيري الشعبي المجتمعي، وبنماذجه التي توّجت عصر ثمانينيات القرن الماضي.

آن الأوان لمراجعةٍ جادّةٍ وحقيقيةٍ للمشروع الوطني الفلسطيني وأدواته وهياكله: فالوطنُ الفلسطيني في أزمةٍ حقيقية، والنظامُ السياسي والاقتصادي والوطني الفلسطيني في أزمةٍ حقيقية، والمسارُ السياسي الفلسطيني في أزمةٍ حقيقية، والمسارُ الكفاحي النضالي الفلسطيني في أزمةٍ حقيقية. والشعبُ الفلسطيني يواجه حربَ وجودٍ حقيقية؛ فجسده وتاريخه وجغرافيته مستهدَفة. ولا يعترف النظامُ السياسي والحزبي والجماهيري الإسرائيلي بأيّ حقوقٍ للفلسطينيين في وطنهم، بل يعلن صراحةً، ليلَ نهار، أنّ الطردَ والتهجيرَ والإلغاءَ والضمَّ ثوابتُ استراتيجيته الوحيدة لحسم الصراع مع “العرب الهمج” الذين احتلّوا – بزعمهم – “أرضَ الرب” في مرحلةٍ تاريخيةٍ سوداء.

تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ وموقفٍ جادّ؛ فالبلادُ تغرق، وصوتُ الناس قد بلغ عنانَ السماء. معركتُنا الوحيدة هي الصمودُ في الأرض التي  " كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين ، صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين ".

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...