قررنا البقاء

الكاتب: عصام بكر
موقف حاسم وشجاع اعلنه الكهنة والراهبات الكاثوليك والأرثوذكس في مدينة غزة عبر صيغة مقتضبة " قررنا البقاء" كلمات تختصر الكثير وتعكس جذور ابناء الشعب الفلسطيني الراسخة برغم ما يجري من ويلات وحروب طاحنة ورغم الابادة والاستهداف المباشر لدور العبادة والمساجد والكنائس منذ السابع من اكتوبر 2023 وتحويل قطاع غزة الى كارثة انسانية في اعلان رسمي صادر عن اعلى هيئة دولية (الامم المتحدة) بان قطاع غزة منطقة مجاعة من المتوقع ان تمتد خلال الاسابيع القليلة القادمة لتشمل ما يزيد عن 750 الف مواطن باتوا مهددين بالموت جوعا في ظل استمرار الحصار، ومنع ادخال المساعدات الاغاثية والانسانية هذا الموقف الذي يتسم بالحرص والمسؤولية الدينية والاخلاقية والوطنية رغم اشتداد الظروف وتفاقم المآساة اليومية التي يشهدها قطاع غزة تحت وطأة التجويع والقصف اليومي المتواصل حاصدا ارواح المزيد من الضحايا يستحق موقف الكهنة والراهبات الثناء والتقدير ليس لانه صادر عن رجال دين ورعاة كنيسة وانما بفعل الدور الذي يقومون به على الارض فعلا مع بدء حرب الابادة على القطاع وقبل ذلك على مدار سنوات الاحتلال .
حوالي 635 مواطنا مسيحيا يتواجدون في قطاع غزة يرفضون بشكل قاطع ان يوصفوا " بالطائفة " لانهم اهل البلد واصحاب الانتماء الاصيل لها وهم الجذر الممتد منذ الازل في هذه الارض ووحدة نسيجها الوطني والمجتمعي المعبرة عن تطلعاته وقضاياه في رفض صريح لتجزئة الهوية الواحدة الجامعة ضمن مساعي الاحتلال لزرع الفتن وتفتيت الهوية عن طريق اذكاء الطائفية والمذهبية، هؤلاء المواطنون هم فلسطينيو الانتماء رغم كل الويلات الجاثمة لم يؤثر عليهم وعلى منبع القرار لديهم استهداف الاماكن الدينية والعالم شاهد بام عينيه ما جرى في المشفى المعمداني بفعل القصف الاسرائيلي رغم محاولات تغطية المجزرة في الاعلام ونشر التلفيقات المفبركة وهم يلتصقون بالارض كجزء من معالمها وصورتها التي تنبض بالحياة .
الموقف والقرار بالبقاء في غزة الذي اتخذه الكهنة والراهبات وعددهم لا يتجاوز العشرة يعيشون معا مع اخوانهم الذي تقطعت بهم السبل، وتعمل الكنسية على ايواء واستضافة المئات من النازحين الذي فقدوا بيوتهم وهجروا منها قسرا بسبب القصف الاحتلالي الذي لا يتوقف لحظة واحدة ليس مجرد موقف فحسب بل هم يتقاسمون الفراش والخبر والماء او ما تبقى من كل ذلك في ذروة التهديد والوعيد الذي يطلقه قادة الاحتلال لاعادة الاحتلال واستدعاء المزيد من الحشود العسكرية على غزة في هذا الوضع بالغ التعقيد ما زال مجمَّع كنيسة مار بورفيريوس للروم الأرثوذكس، ومُجمَّع كنيسة العائلة المقدسة ملاذا للنساء والشيوخ والاطفال تلجأ اليها الفئات الهشة والمجوعين الى جانب ذوي الاحتياجات الخاصة حيث يتم تقديم الرعاية وما توفر من طعام لهم ضمن الامكانيات المتاحة رغم شحها وتلاشي الامل بالحصول على المزيد منها .
انعدام مقومات الحياة ليس مانعا لحالة التآخي والوحدة وشد الازر، والتعبير عن القرار بالبقاء يحمل دلالات ومعاني تجسد التضحية، واجتراح التجارب للمكوث في وجه محاولات الاخلاء القسري والدعوات للموت والدمار، الصمود الوطني والانساني في غزة هو تعبير عن ارادة حقيقية لعلاقة الانسان الفلسطيني بارضه في تناغم قل نظيره مع مواجهة كل ما يجري، والصمود في وجه محاولات الاقتلاع في الضفة والقدس ومحاولات اجبار الناس على المغادرة مع تصاعد اعتداءات المستوطنين اليومية واستهداف المقدسات الاسلامية والمسيحية ايضا في مدينة القدس المحتلة التي لم تسلم هي الاخرى من تلك الاعتداءات ومنع حرية العبادة هي فعلا وحدة تعبر عن شعب عريق لا يقبل الهزيمة والترحيل ولسان حال الكهنة والراهبات في غزة يقول نصر على البقاء والوجود الفطري على الارض والانغراس فيها لا يعلم معاني ذلك الا اصحاب الارض الشرعيين ومن يستحق الترشح لجائزة نوبل للسلام هم هؤلاء الكهنة والراهبات لا شركاء الدم والقتل والابادة في البيت الابيض.