اقتحام المدن الفلسطينية تمرين عسكري لإعادة احتلالها

الكاتب: د. محمد عودة
أن الاقتحامات التي تنفذها قوات الاحتلال لمدن الضفة الغربية، كما حصل مؤخرًا في مدن نابلس ورام الله والخليل تحمل رسائل متعددة أبرزها السعي إلى فرض صورة الواقع القادم لما بعد خِطَّة الضم، إلى جانب كونها استعراضًا عسكريًا ومحاولة لإثبات الذات، في ظل الخسائر التي تتعرض لها قوات الاحتلال في قطاع غزة، اهم اهداف هذه الاقتحامات هو إيصال رسالة واضحة بأن الاحتلال هو صاحب القرار والسيطرة على الأرض والجو.
إن تكرار الاقتحامات وتصاعدها في المدن الرئيسية، وكان آخرها في مدينة رام الله العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية، يندرج في سياق ما تعلنه حكومة الاحتلال ورموزها بشأن بسط السيطرة على الضفة وفرض ما يسمى (الضم الناعم)فقد أشار نير بركات في احد تصريحاته إلى المشروع القديم الجديد إمارات الضفة الغربية، أما وزير الطاقة فقد كان اكثر وضوحا لحد الوقاحة حيث قال لن يكون هناك بين النهر إلا دولة واحدة هي دولة الشعب اليهودي وهو ما ينسجم مع تصريحات نتنياهو بأنه لا يريد أن يرى في غزة، في اليوم التالي، لا (حماس) ولا السلطة الفلسطينية، وهو ما يريد تطبيقه على الأرض لاحقا في الضفة الغربية.
الاحتلال الإسرائيلي يرى ان الاتفاقيات والملاحق السياسية والاقتصادية والأمنية الموقعة مع منظمة التحرير هي فقط (حصان طروادة) جسر للعبور نحو التطبيع مع العرب والعالم، ويرى أن للسلطة دورًا وظيفيًا مرتبطًا بهذه الرؤية، ولن يسمح بالتوجه نحو إعلان الدولة الفلسطينية أو الاعتراف الدُّوَليّ بها، مهددًا بالرد بتطبيق ما يراه مناسبًا إن حدث ذلك وما الاقتحامات المشار إليها إلا محاكات لما يريده الاحتلال في حال الاعترافات الجماعية بدولة فلسطين في أيلول القادم.
من بين غايات أخرى تهدف هذه الاقتحامات العسكرية لمراكز المدن، ليلًا ونهارًا إلى تطبيع مشهد الوجود العسكري (الإسرائيلي) في عمق المناطق المصنفة (أ) استكمالًا لمسار الضم، ولفحص قابلية المجتمع الفلسطيني لهذا الخيار، واختبارًا لردود أفعال الشارع وربما جرّ أي مجموعات أو خلايا مسلحة للكشف المبكر عن نفسها، ومن ثم وأدها قبل أن تتوسع، إضافة إلى فرض واقع الهيمنة والسيطرة، والتأكيد على قدرته على الدخول إلى أي مدينة أو مخيم أو قرية في أي وقت دون عوائق، سعياً لترسيخ فكرة غياب السيادة الفلسطينية على الأرض مهما تعددت المسميات، إضافة إلى رسائل تطمينيه للمجتمع الإسرائيلي بان الأمور الأمنية تحت السيطرة وانه لن يسمح للضفة ان تكون كما غزة ما قبل العدوان.
ان استخدام مَحَالّ الصرافة كذريعة للاقتحامات لا يعدوا كونه ذر للرماد في العيون، فمَحَالّ الصرافة المستهدفة تقع في مناطق سيطرة فلسطينية كاملة، ثم ان الإدارة المدنية دأبت على استدعاء مواطنين فلسطينيين دون وجه حق للتحقيق وكان بإمكانها استدعاء أصحاب مَحَالّ الصرافة على الرغْم انه مخالف لكل الاتفاقيات والتحقيق معهم بدلا من اقتيادهم مكبلين امام الكاميرات إضافة إلى سرقة وقرصنة أموالهم دون أي وجه حق، بالتزامن مع هذه الاقتحامات صعد المستوطنون بمشاركة جيش الاحتلال من اعتداءاتهم واقتحاماتهم لمدن ومناطق الضفة الغربية، فمنذ العدوان الواسع والمدمر على قطاع غزة الذي أدى إلى استشهاد وإصابة نحو 300 ألف فلسطيني معظمهم من النساء والأطفال.
إن مشروع إسرائيل بخصوص فلسطين وبالأخص في الضفة الغربية غير مرتبط بحماس ولا بطوفان الأقصى، فوفقًا للأمم المتحدة، كان عام 2022 الأكثر دموية على الإطلاق بالنسبة للفلسطينيين، ويمثل العام الذي سبق الحلقة الأعنف من العدوان الهمجي على الشعب الفلسطيني فعلًا العام الأكثر دموية في التاريخ بالنسبة للأطفال في الضفة الغربية.
أما بعد السابع من تشرين الأول وأثناء الحلقة الأكثر دموية من العدوان الهمجي على الشعب الفلسطيني فقد تصاعدت وتيرة الاعتداءات الصهيونية سواء من الجيش أم من المستوطنين أم من كليهما معاً بشكل غير مسبوق، كما حصل في جنين ومخيمها، طولكرم ومخيميها، طوباس وقراها، الأغوار، قرى رام الله، نابلس ومخيماتها إضافة إلى باقي المدن الفلسطينية، فقد قتلت قوات الاحتلال بين السابع من أكتوبر وأول أيار 2024 حوالي الف مدني فلسطيني والنسبة الأكبر نساء وأطفال، إضافة إلى أنها اعتقلت في هذه المدّة ما يقارب العشرة آلاف فلسطينية وفلسطيني، فقد أفادت منظمة أطباء بلا حدود في 15 ديسمبر2023 أن عام 2023 كان العام الأكثر دموية بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية في التاريخ المسجل.
لقد اشار تقرير صادر عن مؤسسة بتسيلم المركز الإسرائيلي للدفاع عن حقوق الإنسان، إلى قيام مستوطنين بعمليات تهويد واسعة النطاق في مناطق الضفة الغربية وتحديدًا في المنطقة المعروفة بمناطق (ج)، تحت غطاء الحرب على قطاع غزة والتعتيم الإعلامي عليها، وأشار التقرير إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة اعتداءات المستوطنين التي كانت تحظى بحماية جنود وشرطة الاحتلال، واشتراكهم في تلك الاعتداءات في بعض الأحيان. وقد أشار تقرير لدارة شؤون المفاوضات إلى حصول نحو 1345 عملية اقتحام خلال شهر نوفمبر2023 أي بمعدل 45 عملية اقتحام في اليوم الواحد، وقد تركزت هذه العمليات في كل من جنين، ونابلس، وطولكرم، ولم تسلم المناطق الأُخرى منها.
في ظل هذه المعطيات مطلوب من المجتمع الدُّوَليّ لجم الوحش الإسرائيلي المنفلت من عقاله، ومطلوب من العقلاء في الكيان الصهيوني ان كانوا يريدون لكيانهم البقاء وان يصبح جزءا من المنطقة ان يتخلصوا من حكومة التطرف وان ينهوا احتلالهم لكل أراضي دولة فلسطين، أما القيادة الفلسطينية فمطلوب منها وقبل فوات الأوان انحاز الوحدة الوطنية على قاعدة برنامج منظمة التحرير كما هو مطلوب استثمار الحراك الدُّوَليّ الشعبي والرسمي لإنجاز الدولة، مطلوب أيضا توفير مقومات ثَبات المواطن الفلسطيني حتى يتشبث بأرضه ويسهم في افشال المخطط الصهيوني كما ان على القيادة الفلسطينية تكثيف الجهد الدبلوماسي والقانوني لملاحقة مجرمي الحرب ومحاسبتهم إضافة إلى تفعيل جدي للمقاومة الشعبية السلمية وتوفير الإمكانات والحماية لها، أتمنى ان لا يكون القطار قد غادر محطتنا إلى حيث الشرق الأوسط الجديد ضمن الرؤيا الصهيوامريكية.