الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:49 AM
الظهر 12:40 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:11 PM
العشاء 8:29 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عن كتاب: من فلسطين إلى «الفلسطينِزم»

الكاتب: عبد المجيد سويلم

عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ــ بيروت، ودار الفارس للنشر والتوزيع في الأردن، صدر كتاب مهم للدكتور إياد البرغوثي تحت عنوان: من فلسطين إلى «الفلسطينِزم» «PALESTINISM» قول في الوعي والمعنى.
يقع الكتاب في 296 صفحة، بـ 8 فصول وخاتمة.
وكان لي شرف المشاركة في نقاش الكتاب في ندوة عُقدت في مقرّ رابطة الكتّاب الأردنيين، وشاركت فيها مجموعة من الكتّاب والمهتمّين، وعرض خلالها البرغوثي مضمون الكتاب وأهدافه، والاستنتاجات الرئيسة التي خرج بها، وأدار النقاش الأستاذ يونس زهران.
إذا جاز لي أن أعتبر مقالي معالجة للأوجه الخاصة والمميزّة والعميقة التي تضمّنها الكتاب، فإنني أُسارع، وبصورةٍ مباشرة إلى البدء بالهدف الرئيس منه.
والبدء بتوضيح الهدف من المؤلف، والتركيز الخاص عليه يعود لسببٍ يبدو مهماً بحدّ ذاته، وذلك لأنه هو موضوع الكتاب، وهو المحتوى الأعمق فيه، والأكثر جوهرية فيما جاء به من جديد، وما كشف عنه من تطوير فكري وثقافي نحن بحاجةٍ ماسّة إليه، ليس كما أرى شخصياً فقط، وإنما كما كان عليه رأي من شاركوا في نقاشه من كونه قد انطوى على أسباب أوجبت الوصول إلى نتائجه، والأهداف التي توصّل لها، وبما ألقى من الضوء على ظاهرة تحوّل تاريخية في الموقف من فلسطين وفي موقعها الجديد، وفي مكانتها ودورها في منظومات القيم الأخلاقية والسياسية والفكرية التي يشهدها عالم اليوم، وهو يمرّ في مرحلة مخاض شرس للخلاص من قبضة منظومة الهيمنة الأحادية المتوحّشة، المنفلتة من كل عقال، و»المتحرّرة» من كل قيم أو قيود أو اعتبارات أخلاقية أو قانونية.
أقصد أنّ الكتاب في هدفه النهائي يكشف عن كُنْه هذا التحوّل في الموقف من فلسطين، وهو عملية متواصلة من الانتقال في هذه المواقف من الاعتبار التعاطفي والإنساني العام إلى الاعتبارات السياسية والفكرية والأخلاقية التي تجعل من فلسطين في موقع مختلف وجديد، موقع هو منارة للحركات التحرّرية على المستوى الكلّي، باعتبارها أصبحت القضية التي تكثّف جوهر الصراع المرير والشرس، أيضاً، بين قوى التوحُّش «الغربية»، وقيمها، ومنظوماتها الإبادية، والإقصائية والعنصرية المتوحّشة والإجرامية المنفلتة من كلّ الحدود والقيود، من كل الاعتبارات والقيم، منظومات ليس لها ضمير ومرجعيات قانونية أو قيمية، بل وترى في سلوكها الإجرامي المجرّد من أيّ أبعاد إنسانية حقاً طبيعياً لها، وبين قوى الاحتجاج والتمرّد التي تشعر وتعيش مستويات مختلفة من الاضطهاد والاستغلال والتهميش بكل أنواعه التي تتعدّى مجرّد الاصطفافات السياسية والخيارات الفكرية إلى أعمق الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية بكل أشكالها، وعلى مختلف تداخلاتها وتشعُّباتها، أي أن فلسطين تحوّلت وباتت وأصبحت اللحظة التاريخية الجديدة التي تكثّف محور الصراع الكوني بين معادلة الحقّ والعدالة من جهة، وبين الشرّ والوحشية والإجرام، التي تمثّلها قوى العدوان والبغي والقتل والعنصرية والتوحُّش من جهةٍ أخرى.
فلسطين هي الأخلاق والإنسانية والتحرّر والعدالة والحق في وجه الظلم والعدوان والتوسُّع والغطرسة والعنصرية في معادلة كونية جديدة. هذا الاستنتاج المفصلي والمهم في قراءة اللحظة التاريخية للصراع بمحتواه وأبعاده لم يتبلور بما يعبّر به عن نفسه من مظاهر هذا الزخم غير المسبوق في تظاهرات واحتجاجات المجتمعات المدنية في مختلف أرجاء الكون فقط، وإنما قد جاء في ضوء اتضاح وافتضاح طبيعة المشروع الصهيوني الكولونيالي في بنيته الحقيقية، وفي طبيعة الارتباط العضوي الملتحم بقوى الاستعمار العالمي بحيث أصبح من الصعب، إن لم نقل من المستحيل فضّ هذا الالتحام عن بنية المشروع الصهيوني، والأيديولوجية الصهيونية التي تسيّر هذا المشروع، وبين طبيعة الأهداف الاستعمارية والمصالح العضوية العميقة التي تتضمّنها هذه الأهداف.
هنا أبرز البرغوثي أهمية، بل مفصلية اعتبار الصهيونية الطور الأعلى في المنظومة الإمبريالية، وأعاد التركيز على محورية هذه العلاقة في مفهوم بناء الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية، وفي بعض الدول الأوروبية التي ساهمت مساهمةً مباشرة في إنشاء وقيام المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية، وكيف أن البشرية أصبحت موضوعياً أمام خطر داهم، وهو درجة توحُّشه، ودرجة الانحدار الأخلاقي الذي يترافق مع الدعم الرأسمالي «الغربي» لأهدافه وسياساته، وما تعكسه من أيديولوجية معادية للإنسانية، وذلك بالنظر للدعائم الخاصة التي يتسلّح بها المشروع الصهيوني من دعم غير محدود من الرأسمال اليهودي الكبير، ومن درجة تحكُّمه في المنظومة السياسية والإعلامية وأحياناً الاقتصادية في بلدان «الغرب» الرئيسة، إضافة إلى إضفاء طابع من القداسة الدينية على هذا التوحُّش.
في سياق الوصول إلى هذا الاستنتاج المهم والكبير، عالج البرغوثي مجموعةً كبيرة أخرى من الموضوعات المتفرّقة، ولكنها بدت على صلةٍ وثيقة بعنوان كتابه، وبالهدف الذي أبرزه في نهايته، وخصوصاً في الفصل الثامن.
ويلخّص البرغوثي القضية الفلسطينية ــ كما جاء في المقدمة ــ (بعد «طوفان الأقصى» كيف انتقلت فلسطين إلى مستواها الأرقى، فأضافت إلى بُعدها الوطني والقومي والديني والإستراتيجي بُعداً فكرياً تحرّرياً إنسانياً مؤهّلاً أخلاقياً للتصدّي للصهيونية، كفكرٍ إمبريالي عنصري إبادي خطير على السلم، وكارثي للبشرية بمن فيهم اليهود أنفسهم).
(هذا المستوى الذي وصلت إليه فلسطين، بهول تضحياتها، وبصدق مظلوميتها، وبارتقائها لتكون حرّية الإنسان أينما كان، ورمزاً لرفض الظلم بكلّ أشكاله، وراية للوقوف مع الحق حيث وُجد، وأيقونة السّاعين إلى العدل بلا تردُّد.. هذا المستوى الذي وصلت إليه فلسطين هو تحديداً الذي أطلقنا عليه مصطلح «الفلسطينِزم»).
بهذا الوضوح، وبهذا التحديد تصبح «الفلسطينِزم» هي الفكرة التحرّرية الإنسانية الشاملة النقيضة للفكرة العنصرية الفاشية الصهيونية على كلّ المستويات، بما فيها مستوى الحقل الثقافي والفكري، إضافةً إلى المستويات الأخرى كلّها.
في هذا السياق، أورد البرغوثي، ووضع «الفلسطينِزم» في سياق التصدّي للفكر الصهيوني كجزء «أصيل» من المنظومة الاستعمارية الشاملة بحيث تحوّلت هذه الظاهرة «العالمية» الجديدة إلى إحدى سمات العصر الجديد بجانب الصعود الصيني على المستوى الاقتصادي، وما يمثّله هذا الصعود من أهمية في التصدّي والتحدّي للمنظومات الاستعمارية والتي تشكّل الصهيونية رأس حربة متقدّمة فيها.
لا أعرف لماذا استثنى البرغوثي الدور الروسي هنا مع أنه تطرّق إلى هذه المسألة مروراً في مؤلّفات سابقة، وفي مقالات سابقة، أيضاً، وخصوصاً لدى معالجته لمشروع فلسطين في الشرق، في الفصل الخامس من كتابه.
هذا العرض للفكرة، أو للأفكار المفتاحية والجوهرية ليس سوى محاولة لتكثيف ما انطوى عليه المصطلح الجديد، وليس استعراضاً لعشرات القضايا المهمة التي عالجها الكتاب في كلّ فصوله، وفي مقدّمته وخاتمته التي عنونها (العالم على كفّ «رئيس»)، والمقصود هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يريد أن (يصنع عالماً على شاكلته)، مع كل ما يعتريها من جدلٍ، ومن خطرٍ، ومن تهوُّرٍ وبهلوانيّة سياسية غير مسبوقة.
إزاء كلّ هذه الأهمية التي ينطوي عليها «الفلسطينِزم» لما يعكسه من تحوُّل، ومن انتقال تاريخي لفلسطين من قضية وطنية تحرُّرية عادلة، إلى قضية باتت رمز التحرُّر والعدالة على المستوى الكوني الشامل، إزاء ذلك أرى أن «التفلسطن»، وهو الاصطلاح الذي اقترحته على البرغوثي، كنحت لغوي بديل عن «الفلسطينِزم» لسببين:
الأوّل، أن «التفلسطن» لم ينشأ إلا في إطار عملية طويلة امتدّت إلى أكثر من قرن من كفاح الشعب الفلسطيني، ولم ينشأ إلا لكونه سياقاً بطولياً له، واستحقّ عن جدارة الوصول إلى هذا الواقع، ولم يثبت أن فلسطين تستمدّ أهميتها من أهمية تمرُّدها.
والثاني، أن «الفلسطينِزم»، أو «التفلسطن» جاء في مواجهة قوى الكون الاستعماري كلّه، وبكل ما يملك من أدوات فكرية وثقافية، وبكل ما لديه من معارف وعلوم وتكنولوجيا، ومن قدرات عسكرية جبّارة وعاتية ومتفوّقة وعدوانية، وفي ظل سياسات للهيمنة والتحكُّم، إضافة إلى كل أدوات الإبادة والتوحُّش والإجرام، وهو ما يعني أن فلسطين خاضت في العامين المنصرمين أكبر معاركها ضد كل أعدائها، وضدّ كل من خذلها، وتفرّج على ذبحها، وحاول أن يتجاهلها ويتغافل عن كل ما أصابها، ولهذا فإن فلسطين من خلال هذه المعارك التي خاضتها وما زالت تخوضها بكلّ الأشكال والوسائل قد فرضت نفسها على العصر باعتبارها الأداة الجديدة لقياس المحتوى الإنساني والتحرُّري للبشرية تماماً كما هي الحركة الصهيونية الكولونيالية الأداة الجديدة للظلم والعنصرية والإبادة والتوحُّش الذي يهدّد العالم.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...