المرئيات ومهنة الكذب على التاريخ لحصد الاعجابات!؟

الكاتب: بكر أبوبكر
أرسل لي أحد الأخوة مقطع شريط مرئي (فديو) تزويري كما هي حال غالب هذه الأشرطة المنتشرة على وسائط التواصل عديمة المصدر لما تهرف به، لحصد الاعجابات من جهة، وبعضها (لحاجة أو هدف وأهداف في صدر يعقوب!) فأوضحت له أن الشريط المرئي (الفديو) المذكور مليء بالدسائس والأكاذيب على عادة التنظيمات الإقصائية الأيديولوجية، ومعهم محترفي فن الكذب والتدليس والفتنة وزرع الأضاليل سواء من الصهاينة أو أذنابهم، وتلك الفئة التي وصفها علي بن أبي طالب ب(الهمج الرعاع) التي لم تهتدي لا بدين ولا علم ولابينة ولانظام، أو التي تسير وراء الناس إن احسنوا أحسنت وإن أساءوا أساءت (الامعات كما أسماهم الرسول صلى الله عليه وسلم) واليكم التالي:
1-قصة شيخ الأزهر-كما روّج الشريط المرئي- ودعمه ماليا لجمعية باركوخبا بالباء (وليس باركوخيا بالياء كما بالمرئي) اليهودية في مصر، والحقيقة أنه: لا يوجد ذكر لجمعية "باركوخبا" في سيرة (الإمام العظيم الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي)[1] الذاتية أو في المصادر التاريخية التي تتحدث عن حياته. [2]
بل "في أثناء توليه المشيخة اندلعت ثورة 1919، فكان موقفه منها نموذجيًا حتى إن الجامع الأزهر سرعان ما أصبح معقلًا للخطباء والشعراء والمتظاهرين من جميع الطبقات، ثم أصبح مركز الثورة وقلبها." كما يقول الكاتب في الجزيرة القطرية "الاخوانية" د.محمد الجوادي
2-أما عن الجمعية (جمعية باركوخبا-بالباء)[3] وإنشائها في مصر فهذا صحيح في مصر تحت الاحتلال الانجليزي الذي سهّل للجمعية وعشرات الجمعيات الأخرى غيرها في مصر ودول عربية أخرى العمل لنصرة اليهود[4]، مع العلم أن الشعب المصري لم يكن له صِلة بالموضوع وإن كان من بعض الأدوار السلبية للحكومات المصرية تحت الاحتلال البريطاني فهو قائم، إذ لم يكن يرى بعضها أن الصهاينة يشكلون خطرًا مثل الشيوعيين.[5]
والهدف كما هو واضح بالشريط المرئي (فديو) الكاذب تشويه مقصود لدور الازهر الذي وقف بثورة 30 يونيو 2013 مع ما لا يقل عن 4 مليون مواطن مصري، ضد حكم "الاخوان المسلمين" ومحمد مرسي (الذي قدمه الرسول للصلاة –حاشاه-بالصفوف برابعة العدوية كما قال أحد المخرفنين بالاخوان أيامها!) حيث تظهر عقلية الانتقام بليّ عنق التاريخ والكذب المرير والتدليس بلا خجل ولا دين.
2- أن (مصر كانت نقطة انطلاق المشروع الصهيوني)! كما يذكر الشريط المرئي!؟ لا سياق تاريخي يؤكدها بل كان التركيز عند هرتسل إما فلسطين أو الارجنتين، ثم دار الحوار في المؤتمرات الصهيونية المختلفة على إقامة "الوطن القومي" في كينيا أو أوغندا او سيناء أو سوريا أو العراق أو ليبيا أو القرم في روسيا أوالأرجنتين او فلسطين واستقر الصهاينة بالدعم الانجليزي التواطؤي على فلسطين.
أما ذكر العبارة (مصر كانت نقطة انطلاق المشروع الصهيوني) هكذا بالمرئي التدليسي! فهو اتهام مبطن للمصريين، وإن لم يتم ذكر أي واقعة تسند ذلك، فيما التاريخ يؤكد بالقطع التواطؤ الانجليزي على الأمة (ومعه الأمريكي مبكرًا) سواء في مصر أو العراق أو فلسطين حيث الاحتلال الانجليزي.
3-قصة الشريف حسين قائد الثورة العربية الكبرى واتهامه (بالخيانة) كذب صراح، لأن مؤيدي الخلافة أو السلطنة العثمانية مثل "الاخوان المسلمين"-الذين نشأوا لاحقًا على انهيارها- مازالوا يبجّلون السلطنة بكل مساوئها خاصة في الفترات الاخيرة، وعليه يصبح الاتهام لمن كان له الدور في انهيارها جائز عندهم وإن بغير دليل، نعود للشريف حسين فلقد أوضح التاريخ تلك المداولات والمباحثات مع الانجليز-مع قرب انهيار الألمان والعثمانيين-ليكون ملكًا على كل الجزيرة العربية أي على العرب أجمعين (جنوب الجزيرة اليوم حيث السعودية واليمن ودول الخليج وشمالها والشرق حيث الشام والعراق) ولما نكث الانجليز بالتعهدات على عادتهم انعزل الشريف ورفض كل ما لحق من تقسيمات.
4-أما عن نداءات ملوك العرب لوقف ثورة فلسطين عام 1936م، فهذا واضح لأنهم كانوا ضعفاء وتحت الحكم الانجليزي المباشر أو غير المباشر.
5-أما عمّا أسميت حرب العام 1948 فهي لم تكن حربًا أصلا، إذ بدأت السيطرة المباشرة على أرض فلسطين قبل شهور مما أسمي حرب 48 (النكبة)[6] وبدعم الانجليزي للعصابات الصهيونية (أنظر كتاب إيلان بابيه: التطهير العرقي في فلسطين)[7] ولما دخل ما أسمي الجيوش العربية (بقياداتها الانجليزية بغالبها) فماذا تتوقع منها، عوضًا عن الفرق الساحق بالقوة البشرية والسلاح والمال واللوجستيات والاستخبارات لصالح العصابات الصهيونية المدعومة أمريكيًا وانجليزيا نعم إنها الهزيمة المؤكدة. وإن كان لا براءة للأنظمة ولا تبرير إلا أن الحقيقة يجب أن تكون واضحة.(عوضًا عن ضرورة ذكر بطولات عظيمة للقوات الأردنية والعراقية والمصرية وغيرها، والمجاهدين الفلسطينيين والعرب بقدر امكانياتهم آنذاك، ما شكل مفخرة في ظل اختلال فظيع بالقوى والامكانيات والتحالفات).
6-أما عن حرب 6 أكتوبر عام 1973م أو حرب رمضان المجيدة فلم يكن بها كما قال المرئي (الفديو) التدليسي (هزيمة مدوية)! بل كانت نصرًا لكل العرب حينها، الذين ضحّوا في الحرب، وإن كانت رغبة التيار العربي الثوري عدم وقف الحرب، حتى يتحقق التحرير لكل الأراضي المحتلة الا أن المسار من خلال الرئيس السادات أفضى للتسوية والسلام، وخروج مصر ومجمل الأمة من فكرة العمل العسكري ضد الكيان الصهيوني. أما إيراد اسم أبوعمار بهذه الفقرة من المرئي (الفديو) فما هو الا صيغة تمويه على مُنشيء المرئي.
7-أما صفقة القرن (عام 2019م) وما لم يذكر فيها من دور أيجابي للثورة الفلسطينية وحركة فتح والرئيس أبومازن يعد ثغرة كبرى مقصودة، إذ ما كان يمكن لمُنشيء المرئي (الفديو) هذا أن يمتدح الموقف الرافض للصفقة 12 مرة ]لا [ ضد الامريكان من الرئيس أبومازن!؟ بل كان الهدف هو الإشارة الى موقف سلبي لمصر-كما ادعى المرئي- وبالأخص الرئيس السيسي فهو هدف المرئي الأساس برأيي لأن "الاخوان المسلمين" الذين حُظِروا في مصر لا يعترفون بثورة 30 يونيو 2013 وملايينها الأربعة، ويعتبرونا انقلابًا عليهم متناسين انقلاباتهم على الدستور والبلد وتجييش الناس...الخ. وأنهم أصلا جاءوا على ظهر ثورة لم يقوموا بها هم. وعليه يصبح هدف المرئي الرئيس هو التعريض بمصر والرئيس وكل ما حصل بعد خروج "الاخوان" من المشهد وكما يحصل من مواقع عدة أو مرئيات مختلفة تحاول أن تظهر أنها نزيهة! وهي تتعمد خلط السم بالعسل، والحقيقة الصغيرة بالأكاذيب الضخمة وهكذا ما يتعلق بتشويه المواقف .
8- الصياغة وطريقة الاجتزاء والخلط والتشويه المتعمد كان من الواضح أن وراءها جهة إقصائية فإن عُرِف مصدر الكلام فالعجب يزول حيث أن معظم مادة المرئي منقولة عن موقع "الاخوان المسلمين" في مصر(عام 2019م) وهو الموقع المسمى بوابة الحرية والعدالة وتحت عنوان:" خيانة حكام العرب للفلسطينيين.. دعم مجاني للصهاينة من 1879 حتى صفقة القرن"[8]
9-من لم يتحلى بالنزاهة والمصداقية والشفافية فلا قيمة لكلامه، ومن حرّكته أحقادة لا يسود، ومن قدّس ذاته وفكره وحزبه ولعن العالم كله لسقطاته ولم يعترف بها عاش طوال حياته حاقنًا، ومن افترض الحق الإبدي في ركابه سيشنق نفسه ذات يوم.
الحواشي:
[1] أنظر موقع الجزيرة القطرية تحت هذا العنوان للكاتب د.محمد الجوادي.
2 https://www.azhar.eg/scholars-tarajum/2_moh_abualfadl_aljizawii.htm
3 ما يسمى تمرد باركوخبا هو تمرد مسلح-حسب الروايات المتداولة- بدأه شخص ادعى أنه المسيح هو شمعون باركوخبا وجمع معه من اليهود العرب أمثاله، ضد الإمبراطورية الرومانية سنة 132م، و انتهى تمرد بار كوخبا المتنبييء بالهزيمة، و قُتل بار كوخبا على يد القوات الرومانية سنة 135م. كما يقول مؤرخو الغرب بينما يذكر عديد المفكرين والمؤرخين ومنهم منير شفيق كمثال: أن هناك" نفي لأيّة علاقة بين تاريخ اليهود في فلسطين حسب التوراة، والحقائق الأثرية وعلم التاريخ، يستند إلى العلم البحت، وليس له من علاقة بالسياسة أو الأيديولوجيا، أو الرغبات"، ويشير الكاتب غازي الصوراني عن اليهود في فلسطين قائلًا: " لا بد من أن نشير إلى أن هذه القبائل اليهودية الغازية كانت جزءاً من التكوين القبلي العربي في الجزيرة العربية، أخذوا حضارتهم ولغتهم من الكنعانيين مثل ما استنبطوا عقيدتهم الدينية من الآلهة في منطقة مدين في شمال الجزيرة العربية (خاصة الإله يوه رب الجنود)" ليضيف قائلًا: " وفي بداية العقد الرابع من القرن الثاني الميلادي تمردت آخر مجموعة بقيت من اليهود تزعمها متدين يهودي، زعم أنه المسيح، وعرف باسم "باركوخبا" (ابن الكوكب)، وقد قام الرومان بتفريق ذلك التمرد وإنهاء الوجود اليهودي في فلسطين عام 135 ميلادية في عهد الإمبراطور الروماني "هادريان" الذي أمر ببيع من تبقى منهم حياً، وقام بتغيير اسم بيت المقدس، وأطلق عليها اسم أسرته "ايلياء". .
4 أنظر مقال غازي الصوراني في صحيفة الهدف المعنون: لمحة: فلسطين عبر التاريخ وحيث الإشارة للتزويرات، والإشارة لمدعي النبوة اليهودي العربي باركوخبا.
5 أنظر أحمد بهاء شعبان في مقاله بصحيفة الهدف التابعة للجبهة الشعبية في 4/7/2023 بعنوان: النشاطُ الصهيونيُّ في مصر عشيّةَ النكبة.
6 أنظر مقالنا عن النكبة في موقع مركز الناطور للدراسات.
7 الكاتب التقدمي اليهودي إيلان بابيه في كتابه التطهير العرقي في فلسطين https://www.noor-book.com
8موقع "الاخوان المسلمين" مصر https://www.fj-p.com تحت عنوان: خيانة حكام العرب للفلسطينيين.. دعم مجاني للصهاينة من 1879 حتى صفقة القرن.