تعالوا نسخر من القيم الغربية التي لا علاقة لها بالقيم الدينية والإنسانية
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
لأن هذا مقال صحفي لا يحتمل الشرح أو الإطالة، فإنني سأُركز كلامي وأُكثّفه بشكل كبير، فأقول سريعاً إن القيم الغربية التي يتفاخرون بها ما هي إلا مجموع عبادة القوة والتنافس على الربح ونهب الثروات والسيطرة على الشعوب من خلال تفريغها وتجويفها وإجبارها على نمط حياة وسلوك لا يلائم حياتها أو تاريخها، المثير في ذلك أن كل هذا يجري تحت شعارات براقة مثل التنوير ونشر القيم الإنسانية واعتناق الديموقراطية، وتحت سياسات غامضة وفاشلة تعتمد على التجزئة والتفرقة وإضعاف القوى الفاعلة ومحاصرة وتجفيف عوامل القوة.
والغرب في هذا كله، ولتبرير عمليات السطو والتدمير والنهب وإعادة تشكيل المجتمعات وتغيير الحدود، إنما تعتمد على مقولات التفوق العلمي والعرقي والثقافي، ولهذا فهي تحتكر المعرفة ومصادرها لمراكمة القوة ودوامها، وتدعي ضمن ذلك مركزانية كونية، أي أنها هي التي بدأت التاريخ ويمكنها التحكم بمآلاته ونتائجه، وأن النظام السياسي الغربي هو نهاية التاريخ، فليس هناك ما يمكن للبشرية أن تقدمه بعد هذه الأنظمة، فهي اكتمال التجربة البشرية من حيث الحريات وتداول السلطة واقتصاد الوفرة وانتهاك العالم والسيطرة عليه، من خلال رؤية علمانية شديدة التعقيد ومتعددة التطبيق، فعلمانية فرنسا لا تشبه علمانية بريطانيا التي لا تشبه علمانية الصين، العلمانية الغربية واجهت مشاكل الحروب والتعصب ومصادرة الحريات واحتكار الدولة أيضاً، وحتى ظواهر الفقر والعنف والجريمة ومشاكل البيئة وانتشار الخرافة والسحر، يعني أن النظام الغربي الرأسمالي العلماني لم يكن ولن يكون نهاية التجربة البشرية أو اكتمالاً لها على الإطلاق.
ما يهمنا هنا أن قيم الحضارة الغربية هي قيم ليست مطلقة ولا لكل البشر، وهي قيم تسقط في كل اختبار، فليس كل البشر متساوون، والحريات ليست مكفولة، والدولة تتدخل بعنف، والتطرف العرقي والديني يكسر فكرة المواطنة المتساوية، والأهم من كل هذا أن هذه القيم ذاتها تتحول إلى سلاح أخلاقي تماماً لتبرير الاحتلال والقتل والسيطرة والنهب، هناك دولة علمانية عمرها 350 سنة تقريباً، تدعي كل القيم الرائعة، ولكنها أمضت 222 سنة من عمرها في حروب طويلة ومريرة، أي أن 93% من تاريخها أنفقته في الحرب، وكل ذلك تحت شعار نشر الديموقراطية والتحديث والتنوير، هذه الدولة مسئولة عن قتل الملايين من البشر، القيم الغربية كانت مسئولة عن احتلال ثلاثة أرباع العالم، وكانت وراء حربين عالميتين، القيم الغربية أنشأت هيئات دولية لفض النزاعات تعطلها ما تشاء، وهيئات دولية للتقاضي تتجاوزها عندما تتعارض مع مصالحها، ووضعت قانوناً دولياً يطبق على الفقراء والضعفاء وليس على الأقوياء.
القيم الغربية لا تضمن المساواة ولا العدل ولا التكافؤ، وهي مجرد سردية يتم من خلالها استباحة العالم، وهي أيضاً تعبير عن شعور بالاستعلاء والتفوق والعنصرية، القيم الغربية أيضاً تعتبر انقلاباً على الدين المسيحي والكنيسة وتجريد الإنسان من مرجعياته الأخلاقية واحلال المجتمع بدلاً من الله سبحانه وتعالى، لم تنجح القيم الغربية في جعل العالم أفضل، ولم تنجح أيضاً في جعل الغرب ذاته أفضل حالاً، أما نحن الفلسطينيون، فقد رأينا كيف أن هذه القيم تنهار وتتهاوى وتتحول إلى شعارات فارغة يتم التباكي عليها علناً.
هذه القيم الغربية هي نتاج تاريخ طويل من الصراعات الداخلية والثقافية بعد علمنة أوروبا ودخولها عصر الصناعة والاحتلالات الطويلة، وتحول القارة العجوز إلى حلف مع الشيطان كما قال الأديب الألماني العظيم جوته في مسرحيته الشهيرة فاوست، وما يزال الغرب في ذلك الحلف.

