من الانطلاقة إلى المؤتمر الثامن: "فتح" أمام اختبار استعادة المشروع الوطني التحرري
الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
في الذكرى الحادية والستين لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، لم تعد هذه المناسبة محطة احتفالية أو استذكارًا رمزيًا لتاريخ مضى، بل تتحول، في ظل ما يعيشه شعبنا من حرب إبادة وتوسع استيطاني وتصفية سياسية ومحاولات إعادة هندسة القضية كما المنطقة، إلى لحظة مساءلة وطنية عميقة: أين نقف اليوم من سؤال الانطلاقة الأول؟ سؤال التمثيل، والقرار الوطني المستقل، والمشروع التحرري.
لقد جاءت انطلاقة حركة "فتح" في الأول من كانون الثاني 1965 كإجابة تاريخية على فراغ تمثيلي عاشه الشعب الفلسطيني بعد جريمة النكبة والتهجير القسري، رغم أهمية تاريخ الحركة الوطنية وتضحياتها زمن الانتداب البريطاني، وكتعبير عن وعي جمعي بأن استعادة فلسطين تبدأ باستعادة الإرادة الفلسطينية المستقلة وببناء حركة تحرر وطني قادرة على توحيد الشعب وصياغة مشروعه النضالي. فلم يكن صدفة أن تتحول "فتح" لاحقًا إلى العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت قد تأسست في القدس قبل عام من ذلك، وإلى الإطار الجامع للهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة.
اليوم، وبعد أكثر من ستة عقود، يفرض الواقع سؤالًا قاسيًا يتمثل في كيفية وصولنا إلى حالة يُناقش فيها مستقبل فلسطين، بما فيها غزة المكلومة، في العواصم الإقليمية والدولية، بينما نُغيَّب نحن الفلسطينيون عن حقنا في تقرير مصيرنا؟
بعيدًا عن السجالات الداخلية، أصبح واضحًا أن ما نعيشه ليس مجرد أزمة فصائلية أو خلل إداري، بل أزمة مجتمع ونخب ومؤسسات تشكّلت تحت سياسات ضربات استعمارية ممنهجة وخطط مبرمجة لا تقبل فكر التسوية السياسية منذ مؤتمر بازل الصهيوني حتى اليوم.
فالاحتلال الإسرائيلي لم يحتل الأرض فقط كأي احتلال عسكري مؤقت، بل عمل كاستعمار استيطاني يسعى لأن يكون مستدامًا، عبر تفكيك البنى الاجتماعية وضرب المؤسسات الوطنية، وتجزئة الجغرافيا الفلسطينية، وإنتاج وقائع سياسية واجتماعية منفصلة أضعفت القدرة على إنتاج تمثيل وطني جامع.
غير أن الإشارة إلى دور الاستعمار الاستيطاني، الذي يمثل جوهر هذا الاحتلال والفكرة الصهيونية والتلمودية، لا تعفينا من مسؤوليتنا الذاتية. فقد تكيفت بعض النخب ومراكز النفوذ الناشئة وجزء من المؤسسات الفلسطينية، مع اشتراطات التمويل ومع مرور الوقت، مع هذا الواقع حتى دون أن تعلم، وانتقلت من موقع قيادة مشروع تحرري إلى إدارة أزمة مفتوحة، أو الحفاظ على بقاء سياسي محدود السقف تحت الاحتلال.
هنا فقدت المؤسسات السياسية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية التي نشأت لاحقًا بحكم اتفاق إعلان المبادئ "أوسلو"، الذي استغلته دولة الاحتلال لتجفيف مصادر تجسيد الدولة الفلسطينية، ولتبني عليه ما تقوم به اليوم من استكمال لفكرة الاستعمار الاستيطاني باتجاه تنفيذ "مشروع إسرائيل الكبرى". وبالتالي فقدت مؤسساتنا جزءًا كبيرًا من قدرتها التمثيلية، ليس فقط بسبب القمع الخارجي واضطهاد الاحتلال، بل أيضًا بسبب غياب مشروع وطني تحرري جامع يعيد وصل المجتمع بسياسة الكفاح الوطني المقاوم سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا وشعبيًا، والمشاركة الديمقراطية الواسعة والمسؤولة وطنيًا في الحياة السياسية، إلى جانب عوامل محاولات مصادرة القرار المستقل واستغلال الورقة الفلسطينية في الجغرافيا السياسية للمنطقة والصراعات الإقليمية التي أحدثها الاستعمار من أجل تفوق إسرائيل والهيمنة الأمريكية، من خلال توسعة الاتفاقيات الإبراهيمية ومجريات تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، والهيمنة على شرق المتوسط والبحر الأحمر ومصادر الطاقة والممرات، كما في محيط المنطقة وفق ما يجري حاليًا في سوريا ولبنان واليمن والصومال والسودان، والتهديدات بحق الأشقاء في الأردن ومصر، وكذلك بحق إيران أيضًا، وربما على نطاق أوسع وفق رائحة البارود التي يطلقها معًا ترامب ونتنياهو.
من هذه الزاوية، تصبح أزمة التمثيل نتيجة لفقدان المشروع، لا سببًا له. فلا شرعية حقيقية دون برنامج تحرري ديمقراطي، ولا تمثيل فعلي دون قدرة على الفعل والتأثير، ولا وحدة ممكنة دون رؤية سياسية واضحة تستجيب لتحديات اللحظة التاريخية.
إن سر بقاء واستمرار حركة "فتح" لا يكمن فقط في قوة التنظيم ولا في الرعيل الأول من مؤسسي الفكرة ولا في تضحيات قوافل الشهداء والأسرى والجرحى منذ بدايات العمل الفدائي، رغم أهمية ذلك، بل في الفكرة الوطنية التي تمثلها الحركة منذ نشأتها، والتي تشكل المنطلق للمشروع الوطني التحرري، والتي لم تستطع أية حركة أو حزب سياسي التعبير عنها كما عبرت عنها حركة "فتح" باستقلاليتها الوطنية المفترضة وبأشكال المقاومة التي انتهجتها وفق الظروف المتغيرة، رغم أهمية ما قدمه شركاء الحركة الوطنية من تضحيات وإثراء سياسي في مراحل مختلفة من المسيرة، ومن الحفاظ على مكانة منظمة التحرير، التي يتوجب اليوم استنهاض دورها والبناء على مكانتها السياسية التمثيلية كجبهة وطنية عريضة، من خلال الإسراع في انتخابات مجلسها الوطني.
اليوم، تكتسب الدعوة والتحضيرات لانعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح"، المقرر في النصف الأول من العام الجديد، أهمية استثنائية. فهذا المؤتمر لا يجب أن يُختزل في كونه استحقاقًا تنظيميًا لتجديد الشرعيات أو إعادة توزيع المواقع، رغم أهمية ذلك وفق تقاليد الحركة وأنظمتها، بل ينبغي النظر إليه كمحطة وطنية فاصلة؛ فإما أن تعيد "فتح" تعريف ذاتها كحركة تحرر وطني، أو أن تكرّس تحولها إلى إطار إداري مرتبط بسلطة اتفاق الحكم الذاتي المؤقت، ومحكوم بالواقع القائم الذي يديره الاحتلال.
إن نجاح المؤتمر القادم يُقاس قبل كل شيء بمخرجاته السياسية والتنظيمية، لا بشكل انعقاده فقط، الذي يجب أن يضمن مشاركة كل مواقع تواجد شعبنا في الوطن والشتات ومن كل قطاعاته، بل يُقاس أيضًا بقدرته على تقديم مراجعة نقدية جادة للتجربة والمسار، وتصويب الاختلالات، وحماية شعبنا، وإعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية، ولدور القواعد والكوادر والقيادة وأطر الحركة من الأقاليم، والعسكريين المتقاعدين، والمجلس الاستشاري، والثوري، والمركزية، إضافة إلى الكفاءات ذات التجربة الوطنية، وصياغة رؤية سياسية تقوم على برنامج وأدوات واضحة تعيد بناء المشروع الوطني على قاعدة التحرر، لا إدارة المشاريع الأمريكية–الإسرائيلية تحت الاحتلال كقضية سكانية خدماتية في مشروع شبه دويلة منقوصة، أو الانصهار فقط في مؤسسات السلطة الإدارية، بل على أسس الديمقراطية القائمة على مبدأ "أن الشعب هو مصدر السلطات"، لا الخوف منها والتستر خلف قوانين تتعارض مع حقوق المواطنة ومواثيقنا الوطنية ومبادئ حركة "فتح"، بل وحتى مع المعاهدات الدولية الإنسانية التي التزمنا بها، لا الاتفاقيات التي تنكر لها الاحتلال أصلًا. وهنا أقصد تحديدًا تعديلات "المادة 16" من قانون انتخابات الهيئات المحلية، التي لا شأن للمواطن فيها بالتزامات المنظمة الدولية من جهة، باعتبارها مجالس خدماتية، وحتى لو كانت سياسية أيضًا، ولا لمعنى إخضاع مكانة منظمة التحرير التمثيلية الشرعية لاستفتاء عبر طلب تعهدات من المرشحين من جهة ثانية.
كما يُقاس نجاح المؤتمر الثامن بمدى قدرة الحركة على استعادة دورها الإقليمي العربي والدولي، والتوسع في العمل مع القوى الديمقراطية والتقدمية والشعبية، حيث شكلت "فتح" ومكونات الثورة الفلسطينية حاضنة لحركات التحرر العالمية على مدى عقود مضت، وعلى استعادة ثقة الشارع الفلسطيني بعد اتساع حجم الهوة، خصوصًا لدى قطاع الشباب، وربط العمل التنظيمي بالفعل المجتمعي والنضالي التحرري، وصولًا إلى حقنا الأساسي في تقرير المصير وإنهاء الاحتلال أولًا، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة على قواعد فصل السلطات ومبادئ المواطنة والدولة المدنية الديمقراطية، وفق ما جاء في نصوص وثيقة إعلان الاستقلال عام 1988.
في الذكرى الحادية والستين للانطلاقة المجيدة، تبدو "فتح" أمام اختبار تاريخي جديد: إما استعادة دورها ومكانتها كحركة تحرر وطني قائدة، قادرة على المساهمة في إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية شفافة وكفاحية، وعلى قاعدة وحدة الأرض والشعب والقرار، أو ترك الفراغ يتمدد، وتصبح قضيتنا أكثر فأكثر رهينة لخطط الخارج وإملاءاته.
الانطلاقة لم تكن ذكرى، بل فعلًا ثوريًا، والمؤتمر القادم يجب أن يكون فعلًا مماثلًا في ظروف العدوان المفتوح على شعبنا، والمتصاعد يوميًا في كل زوايا الوطن، وخاصة في المخيمات، واستمراره في غزة أيضًا بالقتل والاقتحامات والاعتقالات والاعتداءات الوحشية على الأسرى، يعيد لفكرة الانطلاقة ولمسيرة الثورة والانتفاضة معانيها، وللسياسة وظيفتها التحررية لا البراغماتية السياسية المفرغة من النتائج، ولشعبنا موقعه في قلب القرار الوطني المستقل، حتى نكون في "وطن حر لشعب من الأحرار"، كما ردّد دائمًا زعيمنا المؤسس الراحل ياسر عرفات.
عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح

