فنزويلا… بين الصراع العالمي والذرائع الأمريكية
ما يجري في فنزويلا اليوم لا يمكن اختزاله في اتهامات واشنطن لمادورو بدعم تهريب المخدرات. إنما هو جزء من صراع أوسع على النظام الدولي بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة مثل الصين وروسيا على قيادة العالم، وفنزويلا وجدت نفسها في قلب هذه المنافسة.
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، وهو مورد استراتيجي يجذب القوى الدولية ويضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن. هذا المورد جعلها شريكًا اقتصاديًا مهمًا للصين، التي تعتبر أكبر مشتري نفط فنزويلا، حيث استوردت بكين خلال فترات معينة نحو 503 ألف برميل يومياً، أي ما يقارب 55% من صادرات النفط الفنزويلية قبل العقوبات الأخيرة، مما يجعل الصين شريانًا حيويًا للنفط الفنزويلي في الأسواق العالمية.
لكن العلاقة الاقتصادية لم تكن مجرد تجارة؛ فقد ارتبطت فنزويلا بقروض من الصين على مدى السنوات الماضية. بينما كانت تقديرات سابقة تتحدث عن ديون قد تصل إلى حوالي 20 مليار دولار لصالح الصين، فإن البيانات الرسمية الحالية المباشرة عن قيمة القرض تم تقليصها في تقارير حديثة، وتشير إلى أن بكين أوقفت تقديم قروض جديدة منذ 2016 رغم استمرار التعاون في مشاريع نفطية واستثمارات محدودة.
على الجانب الروسي، حافظت موسكو على شراكات نفطية واستثمارية مع كاراكاس، وتم في 2025 تمديد شراكات شركات روسية مع شركة النفط الفنزويلية الحكومية لعقود تمتد لعقد ونصف إضافي، لكن المعاملات المالية المباشرة أقل وضوحًا من الروايات التي تتحدث عن صفقات بـ 15 مليار دولار. وقد أشارت تقارير إلى أن فنزويلا تسدد مديونياتها لروسيا بنحو 3.15 مليار دولار عبر اتفاقيات رسمية منفصلة عن ديون الشركات النفطية.
هذه العلاقات الاقتصادية والسياسية بين فنزويلا من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى، تُنظر إليها واشنطن كتهديد لاستراتيجيتها في نصف الكرة الغربي، حيث ترى فيها محاولة لتقويض عقوباتها وضغوطها على موسكو وبكين. ضد هذا الخلفية، استخدمت الولايات المتحدة ذرائع متعددة، من مكافحة المخدرات إلى رفض الاعتراف بنتائج انتخاب مادورو، لتبرير ضغوط واستهداف مباشر لنظام كراكاس.
وفي خضم هذه المواجهة، تعكس الخطوات الأمريكية – بما فيها الحصار البحري على صادرات النفط، والضغوط الاقتصادية والسياسية – استراتيجية لإعادة الهيمنة على مصادر الطاقة في المنطقة ولخفض تأثير النفوذ الروسي والصيني في اقتصاد فنزويلا ونفوذها الدولي.
النتيجة هي أن الأزمة الفنزويلية لم تعد موضوعًا داخليًا فقط، بل أصبحت جزءًا من صراع جيوسياسي معقد بين قوى عالمية تتصارع على موارد النفوذ والاقتصاد.

