الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:13 AM
الظهر 11:45 AM
العصر 2:30 PM
المغرب 4:55 PM
العشاء 6:15 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الإقتصاد الفلسطيني بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 - رؤية للتعافي والصمود (2026 وما بعد)

الكاتب: مازن توفيق سنقرط

حرب غيرت المسار الإقتصادي

منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، تعرض الإقتصاد الفلسطيني لواحدة من أعنف الصدمات في تاريخه الحديث، إذ لم تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر البشرية والدمار العمراني، بل إمتدت لتضرب البنية الإقتصادية والإجتماعية في عمقها، خاصة في قطاع غزة، مع إنعكاسات مباشرة وشاملة على الضفة الغربية والإقتصاد الفلسطيني ككل، وقد أسهم التدمير الواسع للبنية التحتية، بما في ذلك المرافق الإقتصادية والصحية والتعليمية، وآبار المياه الجوفية وشبكات الخدمات الأساسية، في تعميق الأزمة المالية والإنسانية، بالتوازي مع تشديد غير مسبوق للقيود الجغرافية عبر إغلاق المعابر مع الأردن ومصر، وتشديد التحكم بالمعابر مع إسرائيل، كما فاقمت هذه السياسات من حالة الشلل الإقتصادي مع إنتشار نحو ألف حاجز عسكري داخل الضفة الغربية، ما أعاق حركة الأفراد والبضائع والتجارة الداخلية، إلى جانب إعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، ولا سيما خلال موسم قطاف الزيتون، عبر سياسات الترهيب وفرض الأمر الواقع، ونتيجة لذلك، أعيد رسم المؤشرات الإقتصادية الأساسية للإقتصاد الفلسطيني ضمن سياق محلي وإقليمي ودولي بالغ التعقيد، كما وثقته تقارير البنك الدولي، ووكالات الأمم المتحدة ذات الصلة، والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وسلطة النقد الفلسطينية.

غزة… مركز الكارثة وجذر الأزمة

لا يمكن تناول واقع الاقتصاد الفلسطيني بعد السابع من تشرين الأول / أكتوبر 2023 دون التأكيد الواضح على أن قطاع غزة هو مركز الكارثة الإنسانية والاقتصادية غير المسبوقة، حيث تعرّض القطاع لدمار شبه كامل طال البنية التحتية الإنتاجية والسكنية، والمنشآت الصناعية والزراعية، والمرافق الصحية والتعليمية، ومصادر المياه والطاقة، إلى جانب انهيار شبه تام للنشاط الاقتصادي، وتفكك سلاسل التوريد، وتوقف القدرة الإنتاجية والتصديرية بشكل شبه كامل. إن ما جرى في غزة لا يمثل أزمة اقتصادية عابرة، بل انهيارًا بنيويًا شاملًا ستكون له آثار طويلة الأمد على الاقتصاد الفلسطيني برمته، وعلى أي رؤية مستقبلية للتعافي أو إعادة البناء.

 

إنهيار سوق العمل وتراجع التدفقات المالية

إن أحد أبرز التداعيات المباشرة للعدوان تمثل في طرد ما يقارب 200 ألف عامل فلسطيني كانوا يعملون داخل إسرائيل في قطاعات متعددة، ويمدون الإقتصاد الفلسطيني بنحو 5 مليارات دولار أمريكي سنويا، كما قيدت حركة عشرات الآلاف من فلسطينيي الداخل، ما حرم السوق الفلسطيني من نحو 1.5 مليار دولار أمريكي إضافية سنويا كانت تتدفق عبر تسوقهم من المناطق الفلسطينية.

هذه التطورات أدت إلى إرتفاع غير مسبوق في معدل البطالة، الذي بلغ نحو 53%، وهو من أعلى المعدلات عالميا، الأمر الذي فاقم مستويات الفقر والفقر المدقع، وأضعف القدرة الشرائية للأسر الفلسطينية إلى حدود خطيرة.

أزمة مالية خانقة للسلطة الفلسطينية

على الصعيد المالي، فقد واجهت السلطة الفلسطينية أزمة سيولة حادة نتيجة إمتناع إسرائيل عن تحويل أموال المقاصة الضريبية، خلافا لما نصت عليه إتفاقية باريس الإقتصادية المنبثقة عن إتفاق أوسلو عام 1993، وتقدر الخسائر الناجمة عن هذا الإجراء بما يتراوح بين 250 و 300 مليون دولار أمريكي شهريا، ما قيد قدرة السلطة على الوفاء بإلتزاماتها تجاه موظفيها ومنتسبيها وموردي القطاع الخاص، كما أدى ذلك إلى تراكم ديون كبيرة على الخزينة العامة، ودفع السلطة إلى زيادة الإقتراض من الجهاز المصرفي المحلي، ليصل إجمالي الدين العام إلى نحو 15 مليار دولار أمريكي في ظل إنكماش إقتصادي غير مسبوق، وذلك وفقا لتصريحات حديثة لوزير المالية في السلطة الفلسطينية.

 

إنكماش إقتصادي غير مسبوق .. وصمود إستثنائي

نتيجة لهذه الإجراءات مجتمعة، إنكمش الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني من نحو 20 مليار دولار أمريكي قبل العدوان إلى ما يقارب 12 مليار دولار أمريكي حاليا، لترتفع نسبة الدين العام إلى حوالي 125% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي سابقة خطيرة في التاريخ الإقتصادي الفلسطيني. رغم ذلك، أظهر المجتمع الفلسطيني مستوى إستثنائيا من الجلد والصمود، رافضا سياسات التهجير القسري من غزة أو الضفة الغربية، ومتمسكا بأرضه وحقه في البقاء. إن هذا الصمود الجماعي من موظفي القطاع العام، والعاملين في القطاع الخاص، وحتى العاطلين عن العمل، يستحق وقفة تقدير وإحترام.

ويأتي هذا الصمود في ظل كارثة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة يتعرض لها قطاع غزة، الذي يدفع الثمن الأكبر لهذه الحرب

آفاق التعاون الإقليمي والدولي

يجب أن تنطلق الرؤية الإقتصادية المستقبلية من تعزيز التعاون الإقليمي والدولي بوصفه رافعة أساسية للتنمية، عبر بناء شراكات تكاملية مع دول الجوار، حيث يشكل الأردن البوابة الشرقية، ومصر البوابة الجنوبية، فيما تمثل إسرائيل البوابة الحدودية الأقرب، إلى جانب توسيع آفاق التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا والصين ودول صديقة أخرى، ويتوازى ذلك مع توجيه الإستثمارات نحو الإقتصاد الرقمي والخدمات التكنولوجية لخلق فرص عمل حديثة وغير تقليدية، وتطوير المناهج التعليمية في التعليم الإلزامي والجامعي والتقني، بما يعزز جودة رأس المال البشري ويحد من معدلات البطالة.

 في ذات الوقت، تعد إعادة إحياء القطاعين الصناعي والزراعي ركيزة مركزية لتوسيع القاعدة الإنتاجية وإستيعاب المزيد من الأيدي العاملة عبر التصدير والشراكات الإقليمية، وهو ما يستلزم تهيئة بيئة تشريعية وإقتصادية مستقرة، وإطلاق برنامج إصلاح مؤسسي شامل في السلطتين التشريعية والتنفيذية، يقوم على سيادة القانون، وإستقلال القضاء، وترسيخ مبادئ العدالة والشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد، من خلال مجلس تشريعي منتخب ومؤسسات رقابية فاعلة.

تحويل المعاناة إلى فرصة، نحو برنامج وطني شامل

إن حجم التضحيات الهائل الذي قدمه الشعب الفلسطيني في هذه الحرب الكارثية، وما سبقها من حروب وعدوان متواصل، يفرض مسؤولية تاريخية لتحويل هذه المعاناة إلى فرصة وطنية كبرى، عبر إستثمارها سياسيا وإقتصاديا من خلال حشد تعاطف دولي منظم وفاعل، وفضح الممارسات الإسرائيلية في المحافل الدولية((ومساءلة السياسات الإسرائيلية عبر الآليات القانونية والدبلوماسية الدولية ))، ولا سيما داخل المجتمعات الغربية، على أن يترجم هذا التعاطف من حالة وجدانية عابرة إلى برنامج وطني شامل ومتماسك تشارك في صياغته وتنفيذه الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني ومراكز الأبحاث والجامعات، مع الإستفادة من خبرات فلسطينيي الشتات، وكل الداعمين لقيم العدالة وحقوق الإنسان، علينا أخذ زمام المبادرة وألا ننتظر من الآخرين إملاءاتهم، برنامج يهدف إلى تحويل التضامن الدولي إلى مشاريع تنموية إقتصادية وبشرية تعزز صمود الفلسطينيين وتؤسس عمليا لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، إدراكا بأن الإقتصاد يشكل رافعة أساسية للمشروع السياسي، وأن بناء إقتصاد قوي نسبيا، ومجتمع متماسك، ومؤسسات فاعلة، من شأنه أن يعزز الموقف السياسي الفلسطيني، ويقوي قدرته التفاوضية، ويقرب الخطى نحو تحقيق الرؤية الوطنية الجامعة، وفي هذا السياق، فإن فلسطين بعد الفاتورة الباهظة التي دفعتها من دماء أبنائها وإنجازاتهم، والتي ما زالت مفتوحة، تستحق نموذجا داخليا قائما على المساءلة والديمقراطية والشفافية والشراكة الحقيقية بين السلطة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

 إن بيتنا الداخلي النظيف الخالي من الفساد، يعزز موقفنا الفلسطيني داخليا وخارجيا، ويفتح أبواب التعاون الإقليمي والدولي، ويمنح خطابنا للعالم مصداقية أخلاقية وسياسية، فبأدوات الصدق والإرادة الجماعية والعمل المؤسسي، والإصلاح الداخلي المصحوب بالإرادة الصادقة والعزيمة الصلبة آخذين بعين الإعتبار الأولويات الوطنية، يمكننا تحويل التهديدات الوجودية إلى فرص تاريخية، وترسيخ مكانة فلسطين كدولة تستحق الحياة والإحترام والدعم الدولي، إستنادا إلى تضحيات شعبها وإصراره الراسخ على الحرية والإستقلال.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...