ضمان تدفق النفط للغرب ضرورة قبل الاقدام على ضرب ايران
الكاتب: محمد عودة
امريكا تسعى لتوفير المناخ المناسب لكي تتمكن ربيبتها اسرائيل من وضع الشرق الاوسط الجديد موضع التطبيق بما يخدم مصالح الدولة العميقة،فتدخل امريكا في شؤون الدول ليس ، مجرد ردود أفعال ظرفية أو خيارات أخلاقية عابرة، بل هي جزء من مشروع طويل النفس يقوم على حقيقة واحدة: من يسيطر على الطاقة يسيطر على القرار العالمي. فالنفط والغاز لم يعودا موارد اقتصادية فحسب، بل تحوّلا إلى أدوات هيمنة، ومعايير للولاء، وخطوطًا حمراء تُرسم عندها الحروب وتُعاد صياغة الدول. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم التوتر المستمر مع إيران، ولا الاستعدادات غير المعلنة لمواجهتها، إلا بوضعها ضمن خريطة عالمية أوسع لتأمين مصادر الطاقة والتحكم بتدفقها قبل أي صدام محتمل.
الولايات المتحدة تدرك أن إيران تسعى لتكرس نفسها لاعبا رئيسيا في التركيب العالمي الجديد ،موقع ايران الاستراتيجي وامكانياتها العسكرية واحتياطي النفط لديها ،كلها عوامل تحول دون انجاز الشرق الاوسط الجديد على المقاس الصهيوني دون مراعات مصالح امبراطورية فارس التي تسعى الى العودة ،فايران التي لديها كل العوامل سالفة الذكر تستطيع إرباك الأسواق العالمية دون إطلاق رصاصة واحدة. لذلك، كان من البديهي أن تعمل واشنطن، قبل التفكير بأي مواجهة مفتوحة، على تحييد هذا الخطر عبر تأمين بدائل نفطية متعددة، وتوزيع مصادر الإمداد على جغرافيا واسعة تقلل من تأثير أي اضطراب في الخليج.
الخطوة الاولى في هذا الاتجاه كانت مهاجمة فنزويلا، صاحبة أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، التي لم تُحاصر لأنها دولة بعيدة أو هامشية، بل لأنها قررت إخراج نفطها من المدار الأمريكي، النفط اللاتيني، القريب جغرافيًا من الولايات المتحدة، يشكّل خزانًا استراتيجيًا آمنًا، يمكن التعويل عليه في حال اهتزاز نفط الخليج أو استخدامه كورقة ضغط من قبل إيران. ومن هنا يمكن القول: «الشرق الأوسط الجديد يبدأ من فنزويلا»، حيث تُختبر أولًا معادلات السيطرة على النفط، وتُرسم حدود المسموح والممنوع في عالم الطاقة، قبل أن تصل هذه التجربة إلى قلب المنطقة.
أما الخطوة التالية ،على الاغلب ستكون في احدى دول افريقيا واكثر الدول المرشحهة هي نيجيريا ،تعد إفريقيا الساحة الأكثر خطورة،لديها احتياطيات كبيرةمن النفط الخفيف، كلفة استخراجه منخفضة، وقرب جغرافي من أوروبا،وتدخل روسي وصيني بشكل ملفت تجعل من القارة هدفا لامريكا وبديلًا مثاليًا في أي أزمة طاقة عالمية،لا يستبعد ان تقوم امريكا بنفس سيناريو فنزويلا ،لكن ليس ضد المخدرات وانما لحماية المسيحيين ، ويمكن استثمار الشركات العابرة للقارات ، إن إنشاء «أفريكوم» لم يكن خطوة أمنية بريئة، بل غطاءً عسكريًا لحماية تدفق النفط، وتأمين الموانئ، ومراقبة طرق الإمداد، ومنع الصين وروسيا من بناء شراكات خارج سيطرة الغرب ، ليبيا لم تُدمَّر لأنها خرجت عن الديمقراطية، بل لأنها حاولت أن تجعل من نفطها قرارًا سياديًا لا يخضع للغرب.
اذا نجحت امريكا في كل من امريكا اللاتينية وافريقيا قد لا تضطر لفعل سريع في اسيا ،اسيا اكثر تعقيدا بحكم وجود خصوم اشداء مثل روسيا والصين ،فالصراع هناك له طابع أكثر تعقيدًا، فالتحكم بنفط آسيا الوسطى وبحر قزوين لا يهدف فقط إلى تأمين الإمدادات، بل إلى خنق الخصوم الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم الصين ،وبما ان الصين خصما ليس سهلا متحالفة مع خصم اخر هو ايران و الدولة النفطية الكبرى ، مستقلة سياسيًا، وقادرة على تعطيل نظام طاقة صُمم ليبقى تحت السيطرة الأمريكية،ومع ذلك، فإن تطويق مصادر الطاقة الآسيوية، وتأمينها، ومنع اندماجها في تكتلات خارج النفوذ الغربي، يشكّل شرطًا مسبقًا لأي تصعيد مع طهران.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى موارد الطاقة في قلب الشرق الأوسط نفسه، وخصوصًا في غزة ولبنان والعراق وسوريا. فغاز غزة يحمل دلالة استراتيجية كبرى و منع الفلسطينيين من استثماره ليس مسألة تقنية أو أمنية، بل قرار سياسي يهدف إلى إبقاء أي مصدر طاقة في شرق المتوسط خارج متناول قوى غير خاضعة للمنظومة الأمريكية–الإسرائيلية، الغاز هنا ليس موردًا فحسب، بل رسالة.
الغاز اللبناني( اضافة الى عوامل اخرى لسنا بصدد بحثها كالماء) واحد من اهم اهداف اسرائيل وم خلفها امريكا، ترسيم الحدود البحرية، وسحب سلاح حزب الله وسلاح المخيمات الفلسطينية ، كلها تهدف إلى ضبط هذا المورد ومنع تحوّله إلى عنصر قوة سيادية لدولة ترتبط بمحور معادٍ لواشنطن، فأي استقلال لبناني في ملف الطاقة يعني ثغرة إضافية في مشروع الشرق الاوسط الجديد.
أما العراق، فقصته أكثر فجاجة. بلد يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، لكنه يُدار على قاعدة اللااستقرار الدائم. الوجود الأمريكي لم يكن يومًا لحماية الديمقراطية، بل لضمان أن يبقى النفط العراقي متدفقًا دون أن يتحول إلى رافعة سيادة حقيقية، وأن لا يندمج استراتيجيًا مع إيران في كتلة نفطية قادرة على كسر التوازنات التي ترسمها واشنطن، العراق هنا ليس مجرد منتج، بل منطقة فصل مقصودة بين نفط إيران ونفط الخليج.
اما سوريا، رغم أن الاحتياطيات ليست الأكبر، إلا أن الموقع هو الأساس، النفط والغاز في الشرق السوري، إضافة إلى موقع البلاد كعقدة محتملة لخطوط نقل الطاقة، يفسران الإصرار الأمريكي على البقاء العسكري، الهدف ليس النفط السوري بحد ذاته، بل منع تشكّل ممر متكامل للطاقة يصل إيران بالعراق وسوريا إلى البحر المتوسط، هذه هي الخطوط الحمراء الحقيقية، لا ما يُقدّم على أنه محاربة الإرهاب.
وسيمرّ هذا المشروع حتمًا عبر إفريقيا وأطراف آسيا قبل أن يصل إلى لحظة رسم الخرائط. هناك، في المساحات التي تُصنَّف على أنها «هامشية»، تُحسم المعركة الحقيقية بعيدًا عن الأضواء. كل نفط وغاز يُؤمَّن من هذه المناطق، فنزويلا، إفريقي و آسيا،هو ورقة ضغط تتيح لواشنطن الانتقال لاحقًا إلى الشرق الأوسط بأقل مخاطر، قبل أن تُرسم الخرائط، يجب أنتتم السيطرة على موارد الطاقة، وأن تُؤمَّن طرقها، وأن يُمنع تشكّل أي تكتل مستقل قادر على تحويل النفط والغاز إلى قرار سيادي، وعندما تكتمل هذه الحلقة، يصبح الانتقال إلى الشرق الأوسط مجرد خطوة تنفيذية، لا مغامرة غير محسوبة.
عند جمع كل هذه الساحات، أمريكا اللاتينية، إفريقيا، آسيا، الخليج، وشرق المتوسط تتضح الصورة كاملة ،الولايات المتحدة لا تستعد لحرب تقليدية بقدر ما تستعد لإدارة ازمة محتملة قد تصيب قطاع الطاقة ، تأمين النفط من خارج الخليج ليس إعلان حرب على إيران، لكنه شرط أساسي لأي خيار تصعيدي، فالدول الكبرى لا تدخل معارك تهدد شرايينها الحيوية دون أن تؤمّن بدائلها مسبقًا.
بهذا المعنى، فإن الخشية الأمريكية ليست فقط من توقف نفط الخليج أو إيران، بل من تحوّل الطاقة إلى سلاح سياسي خارج السيطرة، وما يجري ليس سلسلة سياسات متفرقة، بل مشروع متكامل لإعادة ترسيخ الهيمنة على الطاقة كعامل اساس في ترسيخ الهيمنة السياسية والاقتصادية ، وهذا يضمن أن تبقى مفاتيح العالم بيد واشنطن، وأن أي صدام قادم ان وقع لا يهدد النظام الذي تقوده، بل يعمّق هيمنتها، أما الديمقراطية وحقوق الإنسان، فليستا سوى شكلي، يُستخدم عند الحاجة، ويُطوى فور أن يصبح النفط هو العنوان الحقيقي.

