الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:14 AM
الظهر 11:47 AM
العصر 2:36 PM
المغرب 5:01 PM
العشاء 6:20 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

السيدة أميركة

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

لم يحدث قط أن صدّق أحد في العالم أكاذيب الولايات المتحدة الأمريكية في نشر ما يسمى بالديموقراطية وحقوق الإنسان، فقد كانت تلك ذريعة رخيصة ومكشوفة للتدخل والسيطرة والتوسع والسرقة العلنية، الديموقراطية الغربية هي ديموقراطية الأغنياء والكارتلات الصناعية والحربية والطغم والقوى العلنية والسرية المتحكمة بالدولة ومضمونها وأهدافها، الديموقراطية الغربية تصنع طغاتها أيضاً، وهي ليست محصنة أبداً، فالأغلبية – باعتبارها المرجعية – قد تختار الفاسق والفاجر والكاذب والمجنون، وهذا يحدث كثيراً وما يزال يحدث.

وما حدث أخيراً في فنزويلا ليس جديداً على الإطلاق، فقد حدث ذلك في آسيا وأوروبا وأفريقيا أيضاً، ربما كان الجديد هو الإخراج السنيمائي أو الخيانة الداخلية أو كلاهما، مضافاً إليهما سقوط الشعارات وخواء الجمهور أو كسله أو انصياعه، ما حدث في فنزويلا كارثة فعلية، لأنها ليست اختطاف رئيس من قصره، بل اغتيال بلد كامل بموافقته.

والجديد أيضاً أن الإدارة الحالية، وعلى عكس الإدارات السابقة، أكدت ما كان العالم كله يعرفه تماماً، فلا الديموقراطية ولا حقوق الإنسان ولا التنوير أو الحضارة هي ما يشغل هذه الإدارة أو يحركها للعدوان، بل هو الثروة، والثروة فقط، ولأن كل سرقة تحتاج إلى تبرير، فقد كان التبرير واضحاً وعلى أشد ما يكون من صراحة ووقاحة، وكما قال الواعظ الأمريكي الشهير هانك، فإن زيت الروح ونفط الطبيعة من حق الولايات المتحدة الأمريكية حسب أوامر الرب، تماماً هكذا، بهذه الكلمات حرفياً برر شيخ السلطان ما حدث في فنزويلا، أما القانون الدولي فقد قال ليندسي غراهام، النائب الجمهوري المؤيد بشدة لإسرائيل، إن هذا القانون لا يلزم الولايات المتحدة ولا إسرائيل ولا الدول الأوروبية الحليفة، القانون الدولي للضعفاء فقط.

أما ترامب فقد استبدل القانون الدولي بأخلاقه الشخصية كمرجعية قانونية وسياسية، أكثر من ذلك، فالكونغرس الأمريكي لم يتخذ موقفاً رافضاً لما فعله ترامب في فنزويلا، بل كان احتجاجه على أن الرئيس لم ينسّق مع أعضائه الخطوة العدوانية تلك، ولم تشن الصحافة "الحرة" هجوماً صاعقاً ضد ترامب، بل رأت في تلك السياسة مسألة ضرورية لأمن أمريكا واقتصادها، بحجة أن ذلك سينهي الحلف المريب بين فنزويلا والصين وروسيا، أي أن ما فعله ترامب كان مهماً وضرورياً لأمن أمريكا، وهناك من المحللين والسياسيين الأمريكيين من رأى أن أمريكا اللاتينية هي أراضٍ ذات أهمية استراتيجية لأمن أمريكا وأنه لابد من السيطرة عليها.

ترامب الذي لم يجد معارضة تذكر، لم يجد غضاضة في أن يهدد رؤساء آخرين ودولاً أخرى، وأن ما جرى هو درس يجب أن تتعلمه كل الأطراف، فيما يشبه تدشين عصر جديد من العربدة واللصوصية وعودة عن كل ما فعلته البشرية لتلطيف العنف والعدوان والوحشية، فاللغة المستعملة والذرائع التي سيقت هي لغة تذكّر بطغاة التاريخ الذين ادّعى بعضهم الأُلوهية، وادّعى بعضهم الآخر الأحقية والتميز، فاجتاحوا العالم احتلالاً وقتلاً وسرقة، اجتياح العالم وانتهاكه وامتلاكه لا يحتاج إلى رؤية أخلاقية بقدر ما يحتاج إلى رؤية فاسدة ومنحطّة ومتهالكة، تعالوا نحلل ما هي دوافع اسكندر المكدوني وجنكيز خان وحركة الاستعمار الأوروبي وهتلر التي جعلتهم يرون في احتلال العالم مشروعاً ومسوغاً، ونحن الآن أمام امبراطورية أخرى من أشد امبراطوريات التاريخ فتكاً وقوة وغباءً وعمى قلب وبصيرة، امبراطورية لا تحتفي بالمعرفة إلا لكونها مصدراً غير بريء لامتلاك مزيد من القوة، امبراطورية تضع نهايات التاريخ بأشد أشكالها سوءاً وسوداوية، على عكس ما تنبأ به فوكوياما الذي ادّعى أن الديموقراطية الليبيرالية هي منتهى العالم ومآلاته الأخيرة، لم يتوقع هذا العنصري أن هذا النظام بالذات من سيدمر العالم ويجره إلى حرب لا تُبقي ولا تذر.

الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر قوة، هي الأكثر غروراً وصلفاً، إلى درجة أنها لا ترى أن الشعب الفلسطيني المعذّب والمشرد والمحاصر يستحق دولة وحرية وكرامة، وتعتقد أنها بانحيازها للاحتلال إنما تنحاز إلى الجانب المضيء من التاريخ، ولكن عن ماذا نتحدث هنا؟ إن دعم الولايات المتحدة الأمريكية للاحتلال والديكتاتوريات وظلم الشعوب والجماعات، سابقاً ولاحقاً، إنما هي رؤية كاملة ومتكاملة من العنصرية والاستعلاء والاستلاب والإيمان بالقوة وعبادتها واحتكار المعرفة والمال والقرار والسلاح، وكما حدث في الماضي سيحدث في المستقبل، امبراطورية أخرى ستعلو وتعلو حتى تسقط من علٍ، وهي قصة أصبحت من تكرارها مملة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...