الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:14 AM
الظهر 11:49 AM
العصر 2:39 PM
المغرب 5:04 PM
العشاء 6:23 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين يُمحى التعليم قبل أن يكبر الأطفال

الكاتب: د. ياسر أبو بكر

ما يجري للتعليم الفلسطيني، وخصوصًا في غزة، لم يعد تعطّلًا عابرًا بسبب الحرب، بل عملية محو ممنهجة للمدرسة، والمنهاج، والحق في التعلّم، بما يهدد جيلًا كاملًا قبل أن يصل إلى الصف الأول.

طفل في غزة لم يدخل مدرسة منذ عامين. لا يعرف معنى الجرس ولا الصف ولا العام الدراسي. ما يعرفه هو الخيمة، والركام، والخوف. هذا الطفل ليس حالة فردية، بل صورة لجيل كامل. وما يحدث له لا يمكن وصفه بتعطّل الدراسة أو بأضرار جانبية للحرب. ما يحدث هو قتلٌ للتعليم.

في الأدبيات التربوية والحقوقية الحديثة، ظهر مصطلح Scholasticide، ويعني تدمير التعليم بوصفه نظامًا حيًا: بنيته، ومعناه، ووظيفته الاجتماعية. ليس المقصود قصف مدرسة أو جامعة فحسب، بل شلّ قدرة مجتمع كامل على التعلّم، وعلى إنتاج المعرفة، وعلى نقلها للأجيال. حين يصبح التعليم غير قابل للحياة، نكون أمام Scholasticide (إبادة التعليم)

 لا أزمة تعليم.

في السياق الفلسطيني، هذا المصطلح ليس تهويلًا لغويًا. فلسطين، وخصوصًا غزة، تعيش في بيئة قسرية ممتدة: احتلال طويل الأمد، حصار، وحروب متكررة. في مثل هذه البيئة، التعليم ليس قطاعًا يمكن تعويضه لاحقًا، بل شرط بقاء. تاريخيًا، شكّل التعليم الفلسطيني حامل الهوية الوطنية، وذاكرة المجتمع، وبديل الدولة في ظل غياب السيادة. لذلك، حين يُستهدف التعليم، يُستهدف المجتمع ذاته.

في غزة، لم تُدمَّر المدارس فقط، بل جرى تفريغ فكرة المدرسة من معناها. أطفال لم يعرفوا المدرسة كمساحة أمان، بل كملجأ مؤقت ثم كهدف. معلمون يعملون تحت الجوع والخوف والصدمة. أجيال خرجت من الإيقاع التعليمي الطبيعي. هذا الواقع لا تصفه تعبيرات مثل "فجوة تعلم" أو " فاقد تعليمي" ، بل يقترب من قتل التعليم كنظام حيّ.

لكن Scholasticide لا يُمارَس بالقصف وحده. هناك شكل آخر أخطر وأهدأ: فرض تغيير المناهج وإعادة هندسة الوعي. فالمنهاج ليس كتابًا محايدًا، بل وعاء للرواية والذاكرة والمعنى. وعندما تُربط المساعدات التعليمية بضغط سياسي لتعديل المحتوى، وحذف مفردات الهوية، وإعادة صياغة التاريخ بحجج "الحياد" و"المعايير الدولية"، فإن التعليم لا يُمنع، بل يُشوَّه. وهذا أحد أخطر أشكال قتل التعليم، لأنه ينتج معرفة مبتورة وأجيالًا منفصلة عن واقعها.

هنا يصبح الربط مع الجينوسايد ضروريًا. فالإبادة الجماعية، كما تُعرَّف في القانون الدولي، لا تقتصر على القتل الجسدي، بل تشمل الأفعال التي تستهدف تدمير الجماعة ككيان مستمر. قتل التعليم، وتجفيف الذاكرة، وكسر القدرة على نقل المعرفة بين الأجيال، هي أفعال تمهّد لإبادة بطيئة، طويلة الأمد، لا تُقاس بعدد الضحايا فقط، بل بعدد العقول التي يُغلق مستقبلها.

في البيئات القسرية، علم النفس التربوي واضح: الطفل الجائع والخائف لا يتعلّم. وحين يُحرَم من الأمان، ثم يُطالَب بالتعلّم في منهاج منزوع السياق والمعنى، نكون أمام قتل مزدوج: قتل لشروط التعلّم، وقتل لمضمونه.

قوة مصطلح Scholasticide أنه ينقل النقاش من التعاطف إلى المسؤولية. فهو يطرح سؤالًا أخلاقيًا مباشرًا: إذا كان التعليم حقًا غير قابل للتعليق، فكيف يبرّر العالم صمته حين يُقتل هذا الحق بالقصف، وبالتجويع، وبإعادة هندسة الوعي؟

في النهاية، حين يُمحى التعليم قبل أن يكبر الأطفال، لا يُدمَّر الحاضر فقط، بل يُستكمل مسار إبادة صامتة للمستقبل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...