التمثيل النقابي للمعلمين: الشرعية لا تُنتزع بالتجييش الرقمي بل تُستعاد بصندوق الاقتراع
الكاتب: د.ياسر أبوبكر
تكشف أزمة التعليم الفلسطينية في السنوات الأخيرة ليس فقط خللًا ماليًا متكررًا، بل خللًا أخطر في فهم معنى التمثيل النقابي ودوره في حماية المهنة. فقد شهد القطاع توسعًا في الأصوات الاحتجاجية الميدانية، بعضها عفوي وبعضها مُسيَّس، الأمر الذي أدى إلى حالة تشويش متعمد أو غير مقصود على الجسم النقابي الرسمي، وخلق انطباع زائف بأن الشرعية يمكن أن تنتقل من مؤسسة منتخبة إلى مجموعات غير منظمة بمجرد ارتفاع الصوت على وسائل التواصل الاجتماعي.
إن النقابة ليست هاشتاغًا، ولا بيانًا صوتيًا، ولا تجمعًا موسميًا. النقابة تنظيم قانوني- مسؤولية- تمثيل- قدرة تفاوض- حساب ومحاسبة.
ولذلك، فإن أي مطالبة بتغيير قيادة الاتحاد أو تجديده لا تُؤخذ بالضغط الإعلامي أو التفويض الافتراضي، وإنما بالانتخابات، حيث يضع المعلمون أصواتهم، لا انفعالاتهم، ويستعيدون تمثيلهم إذا أرادوا تغييره. هذه أبجديات العمل النقابي في العالم كله، وهي أساس استقرار المهنة. فأي بديل خارج صندوق الاقتراع هو ببساطة لا شرعية له.
لقد أُعطي الحراك حجمًا أكبر بكثير من وزنه الحقيقي على الأرض. والأخطر من التضخيم ذاته أن جزءًا من المجتمع تبنّى خطابًا رماديًا يرى أن الحراك يمكن أن يكون بديلًا للاتحاد؟ وهذه رؤية خطيرة، لأن الحراك -مهما حسنت نواياه- لم يبرهن أنه قادر على إعداد جداول تفاوض، أو حمل مسؤولية قانونية، أو توقيع اتفاق مكتوب يلتزم به الطرفان. إن ما يملكه الحراك هو الاحتجاج، أما التفاوض فهو علم ومؤسسة وأدوات.
تاريخ العمل النقابي يعلمنا أن النقابة تنشأ لحماية المهنة لا لهدمها، وأن الاحتجاج وسيلة، لا غاية، وأن المطالب لا تكتسب قوة التنفيذ إلا حين تمر عبر جسم نقابي شرعي. أما القفز فوق النقابة فليس إصلاحًا، بل تمهيد لانهيار وحدانية التمثيل، وبالتالي انفلات القطاع في اتجاهات قد لا تخدم التربية بقدر ما تخدم أجندات حزبية أو شخصية.
ومن المؤسف أن بعض الأهالي، بدافع الضيق أو بدافع الاصطفاف السياسي، دخلوا على خط الأزمة بطريقة كرست الانقسام بدل أن تدافع عن مستقبل أبنائهم. فالمدرسة ليست مساحة للتجريب السياسي، بل مؤسسة وطنية تُبنى عليها ذاكرة الأجيال. وأي إرباك لسير التعليم هو مسّ مباشر بالطفل الفلسطيني قبل المعلم، وعبث بحقوق لا يمكن تعويضها. المجتمع مسؤول، لا متفرج. المدرسة ليست ملك الحكومة ولا النقابة وحدهما؛ هي ملك الناس، وواجبهم الدفاع عنها قبل الدفاع عن أي طرف آخر.
إن توصيف الأزمة على أنها "عجز حكومي" مبسط حد السذاجة. الدولة ليست مجرد خزانة مالية. نحن أمام عجز مفروض: من يتجاهل هذه المعادلة يقفز على الواقع. ومن يتخيل أن الضغط الداخلي وحده ينتج مالًا فهو إما واهم أو غير مدرك لتعقيدات الاقتصاد السياسي تحت الاحتلال.
الأزمة السياسية هي الجذر، والأزمة الاقتصادية فرع، وأزمة التعليم ظلّ لهما.
وكل محاولة لفصل الأزمات عن أصلها تعالج العرض وتتجاهل المرض. لذلك فإن الحل المستدام لا يبدأ من الشارع ولا من بيان، بل من:
1. تثبيت تمثيل نقابي واحد منتخب وملزم للجميع.
2. دمقرطة الاتحاد وتوسيع المشاركة القاعدية داخله، لا تجاوزه.
3. تحييد المدرسة عن التجييش الحزبي.
4. بناء عقد تربوي وطني يقدّم مصلحة الطالب أولًا.
5. الضغط السياسي الدولي لتحرير قرار الرواتب من الابتزاز المالي.
إن من يفكّر في تدمير التعليم ظنًا أنه سيدمر الحكومة مخطئ في التشخيص والخطاب معًا؛ لأن ضرب المدرسة أول الطريق لضرب الدولة ذاتها. في أحسن الأحوال هذا جهل سياسي، وفي أسوئها محاولة تفكيك ممنهجة لآخر مؤسسات الصمود الوطني. التعليم ليس ملفًا إجرائيًا، بل سيادة معرفية و وعي جمعي و مستقبل وطن.
ولذلك فإن سؤال المرحلة ليس: "من يربح المعركة؟"، بل: "كيف نمنع خسارة الوطن؟".

