الإدارة الحكومية والتخطيط الاستراتيجي فيل في الغرفة... أم فأر سدّ مأرب؟
الكاتب: المهندس يزن فواز عقل
لماذا نحتاج أحيانًا إلى عشرة أشخاص لتبديل مصباح؟
ليس السؤال ساخرًا بقدر ما هو تشخيصي. ففي كثير من البيئات الإدارية، قد يكون أسرع طريق لتعطيل مهمة بسيطة هو إحاطتها بلجنة.
في أحد المباني الحكومية، تعطّل مصباح في نهاية ممر خارجي. لم يكن الأمر جوهريًا في بدايته، لكن الظلام بدأ يزعج المراجعين، وتكررت الملاحظات. أُحيلت المسألة أولًا إلى الإدارة الفنية، التي فضّلت إشراك السلامة المهنية نظرًا لقرب المصباح من درج الطوارئ. السلامة المهنية رأت ضرورة التنسيق مع الشؤون الإدارية بسبب الميزانية، فيما طلبت الشؤون الإدارية رأي الصيانة. اقترحت الصيانة نوعًا موفرًا للطاقة، وتذكّر أحدهم تعميمًا قديمًا حول كفاءة الاستهلاك، بينما أشار آخر إلى أهمية الالتزام بالمواصفات القياسية.
بعد أيام، صدر قرار بتشكيل لجنة. لجنة ضمّت ممثلين عن الصيانة، والسلامة، والإدارة، والمالية. اجتمعت اللجنة أكثر من مرة، وناقشت نوع المصباح، والشركة الموردة، ومدة الضمان، وآلية التركيب، ومن سيوقّع محضر الاستلام. طُرح سؤال إضافي: هل نحتاج إلى موافقة أخرى لأن الممر يخدم طابقين؟ لم يجب أحد، لكن السؤال سُجّل في المحضر.
انتهى الاجتماع بتوصيات واضحة، لكنها احتاجت إلى اعتماد. مرّ أسبوع، وبقي المصباح معطّلًا. لم يكن هناك خلاف، ولا اعتراض، ولا تعقيد حقيقي. ومع ذلك، لم يتقدّم أحد خطوة واحدة لتبديله.
السؤال هنا ليس: لماذا تأخر تبديل المصباح؟
بل: لماذا احتجنا أصلًا إلى كل هذا العدد من الناس لقرار كان يمكن حسمه في خمس دقائق؟
في بعض أنظمة العمل، لا يُقاس النجاح بعودة الضوء، بل بسلامة الإجراء.
الفيل في الغرفة: تفتيت المسؤولية
العطب الحقيقي في هذه القصة ليس المصباح، بل تفتيت المسؤولية. حين تتحول اللجنة من أداة للمشورة إلى درع يحتمي خلفه الجميع، نكون أمام نمط إداري يمكن تسميته بـ الاحتماء بالكثرة.
ويقصد بهذا المفهوم ذوبان سلطة الفرد المسؤول داخل كيان جماعي هلامي، بحيث لا يُعرف على وجه الدقة من صاحب القرار، ولا تُحمّل كلفة الفشل على أحد بعينه. في علم الإدارة السلوكية يُشار إلى هذا السلوك بمفهوم اتخاذ القرار الدفاعي، حيث يلجأ الأفراد غريزيًا إلى الأمان الذي توفره الجماعة.
كما لا يهاجم الذئب فريسة تتحرك في وسط القطيع، يصعب على أي نظام مساءلة شخص يختبئ خلف توقيعات عشرة مديرين آخرين. في هذا السياق، يُنسب النجاح إلى الجميع إن تحقق، بينما يتبدد الفشل بين الأطراف إن أخفق القرار، ويضيع دم القرار بين القبائل.
منطق العطب المؤسسي
ينشأ هوس اللجان غالبًا في البيئات التي يكون فيها ثمن الخطأ مرتفعًا. وحين لا يوفر النظام حماية مؤسسية للخطأ المعقول، يبحث الأفراد عن صيغ تخفف كلفة القرار. هنا تظهر اللجنة كحل عملي: توزّع المسؤولية، وتؤجل الحسم، دون أن يبدو ذلك تعطيلًا صريحًا.
كلما اتسعت دائرة المشاركين، تراجعت ملكية القرار. تتكاثر التواقيع، ويختفي صاحب القرار، ويغدو القرار حدثًا جماعيًا بلا عنوان. ومع التكرار، يتحول هذا السلوك إلى نمط مستقر، لأن النظام لم يحدد مسارًا واضحًا للحسم، ولم يربط القرار بشخص مسؤول عنه.
متى تصبح اللجنة مشكلة؟
وجود اللجان في العمل العام ليس خللًا بحد ذاته، ولا دليلًا على ضعف الإدارة. الخلل يبدأ حين تتحول اللجنة إلى استجابة افتراضية لكل مسألة، بصرف النظر عن طبيعتها أو مستوى القرار المطلوب فيها.
في كثير من المؤسسات، يُكافأ تجنب الخطأ أكثر مما يُكافأ تحقيق الأثر. في هذا المناخ، تبدو اللجنة خيارًا مريحًا: تمنح انطباعًا بالعمل المنظم، وتمتص القلق المرتبط بالحسم، وتؤجل القرار دون إعلان ذلك صراحة. النتيجة مع الوقت هي تآكل روح المبادرة، وتحوّل الموظفين إلى منفذين حذرين بدل صانعي قرار مسؤولين.
دعوة للتأمل
بعيدًا عن المصباح واللجان ومحاضر الاجتماعات، يبقى سؤال جوهري:
ما الذي نحاول حمايته حين نُكثر من المشاركين في القرار؟
الحديث هنا ليس دعوة لإلغاء اللجان، ولا لاختزال العمل العام في قرارات فردية متسرعة، بل دعوة لطرح السؤال الذي غالبًا ما يُتجنب:
هل شُكّلت هذه اللجنة لتنجز، أم لتؤجل لحظة الحسم؟
في اجتماعك القادم، انتبه لتلك اللحظة التي يُقال فيها: "دعونا نشكّل لجنة". اسأل نفسك بهدوء:
ماذا كنا سنفعل لو لم يكن خيار تشكيل اللجنة متاحًا؟
أحيانًا، يكشف هذا السؤال ما إذا كانت اللجنة ضرورة تنظيمية حقيقية، أم ملجأً مريحًا من قرار كان يمكن اتخاذه وتحمل تبعاته.
أما عن فأر سدّ مأرب، فهي قصة تاريخية أترك للقارئ متعة البحث عنها... وربما إسقاطها على واقعه الإداري بنفسه

