"فتح " بين السلطة والتحرر الوطني ، أختبار المؤتمر الثامن بعد سقوط أوسلو وإفشال حل الدولتين .
الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
لا يمكن الحديث عن الفاعل القادر على قيادة التحول الوطني الفلسطيني المطلوب ، من دون التوقف عند حركة "فتح" ، بوصفها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية والحركة التي قادت المشروع الوطني منذ انطلاقته الى جانب مكونات الثورة والحركة الوطنية الأخرى . فهي تتحمل بحكم دورها التاريخي مسؤولية مضاعفة في لحظة انهيار أوهام أوسلو للوصول الى حق تقرير المصير وإنهاء الأحتلال من جهة ، وإلى الإرادة السياسية الأمريكية والإسرائيلية في إفشال حل الدولتين من جهة أخرى .
ومن هنا فأن المؤتمر الثامن لحركة "فتح" لا يأتي في سياق تنظيمي أعتيادي ، بل ينعقد على أعتاب مرحلة سياسية مختلفة كلياً ، تتسم بتحولات عميقة ، أبرزها :
- التحولات الدولية الجارية في شكل النظام الدولي .
- مرحلة ما بعد العدوان والمستمر حتى اللحظة على غزة وآثاره .
- ومرحلة السقوط العملي لحل الدولتين .
- ومرحلة إعادة تدوير الأحتلال بصيغ الوصاية السياسية و "مجلس ترامب للسلام" وتفرعات هيئاته .
- إضافة إلى مرحلة تهديد السلطة الفلسطينية لا مجرد تهميشها أو أضعافها ، وتنفيذ المعازل الجغرافية لمناطق الضفة من خلال توسعة المشروع الأستيطاني ، والمحاولات الجارية لفصل قطاع غزة وعدم سقوط مشروع التهجير .
في هذا السياق ، يصبح السؤال المركزي الذي لا يمكن القفز عنه هو ، هل ستبقى حركة "فتح" أسيرة دورها كحركة سلطة ، أم تستعيد دورها التاريخي كحركة تحرر وطني؟
إن التحدي المطروح أمام المؤتمر الثامن لحركة "فتح" ليس تقنياً ولا فئوياً ، بل هو تحدي سياسي وتاريخي بإمتياز ، يتمثل في إعادة صياغة مهام الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس جديدة ، من بينها :
أولاً : إعادة تعريف دور و وظيفة حركة "فتح" من حركة اصبحت الى حدود ما تدير سلطة محدودة الصلاحيات وتحت الأحتلال ، إلى حركة تقود مشروع تحرر وطني شامل وفق مبادئ انطلاقتها وديمومتها المفترضة ، وتعيد وصل ما انقطع بين السلطة ومنظمة التحرير والشعب بالداخل والشتات ، على قاعدة أن السلطة وحكومتها أداة من أدوات الصمود لا بديلاً عن مشروع التحرر .
ثانياً : فك الألتباس بين الحركة والسلطة . فأستمرار الخلط بين الدورين أضعف موقع "فتح" الطليعي التحرري ، وجعلها في نظر قطاعات واسعة من شعبها مسؤولة عن فشل مسار سياسي لم تعد تملك قراره ، ولا تتحكم بمآلاته في ظل هيمنة الأحتلال وشروطه من جهة ، ونشؤ مراكز نفوذ متعددة المنابع والمصالح في أوساط مجتمعنا الفلسطيني تعمل وفق رؤية أدارة الواقع القائم دون العمل على تغيره وفق منظور اقتصادي وأمني .
ثالثاً : إطلاق مراجعة سياسية جريئة لمسار أوسلو ، ليس بهدف التنصل من التاريخ أو إنكار مراحله ، بل بالأعتراف الصريح بأن هذا المسار وصل إلى نهايته ، وأن التمسك به لم يعد تعبيراً عن “واقعية سياسية”، بل بات شكلاً من أشكال إدارة الخسارة ، في ظل رفض إسرائيلي–أمريكي مُعلن لقيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة وفق ما نص عليه القانون الدولي والشرعية الأممية .
رابعاً : استعادة "فتح" لدورها داخل منظمة التحرير الفلسطينية
لا كقوة منفردة أو مهيمنة أو محتكرة للقرار ، بل كقوة دافعة وقائدة لإعادة بناء المنظمة وهيئاتها المختلفة على أسس تمثيلية وديمقراطية جامعة كجبهة وطنية عريضة ، قادرة على استيعاب مختلف القوى السياسية الوطنية والأهلية والمستقلين ، واستكمال قيادة مرحلة التحرر الوطني ، بعيداً عن منطق الوصاية وإدارة نزاع .
إن أي حديث عن بديل سياسي وطني ، من دون دور واضح ومحدد لحركة "فتح" فاعلة ، سيبقى حديثاً ناقصاً ، لأن الحركة رغم كل ما أصابها من إضعاف وترهل ما زالت تملك رصيداً لا يمكن تجاهله ليس فقط بين ابناء شعبنا بل وعلى المستويين العربي والدولي ، يتمثل في شرعيتها الثورية التاريخية ، وامتدادها الشعبي وعلاقاتها الدولية ، وقدرتها التنظيمية ، إذا ما توفرت الإرادة السياسية لإستثمار ذلك ولأعادة توجيه البوصلة والعمل مع قوى الشعوب حول العالم التي خرجت الى الشوارع بمىات الملايين تضامناً مع قضية شعبنا ، نحو الوصول الى الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف وإنهاء الأحتلال الأستيطاني أولاً .
لكن في المقابل ، فإن أي فشل للمؤتمر الثامن للحركة في التقاط لحظة التحول هذه ، سيعني عملياً تكريس الفراغ القيادي ، وفتح الباب واسعاً أمام حلول تُفرض من الخارج عبر "أشكال متجددة" ، تحت عناوين مضللة مثل “السلام”، "الاستقرار" ، ”الإصلاح”، و”إعادة الهيكلة” و "الإدارة الأكفئ" ، بينما يجري في الواقع تعميق السيطرة وإدامة الأحتلال بتدويره بصيغ جديدة ومحاولات "خلق إنسان فلسطيني جديد" يرى في الكفاح الوطني من أجل الحقوق الوطنية عائق أمام متطلبات قضايا المعيشة ، التي يفرض وجود الأحتلال نفسه معيقاتها كجذر لكافة قضايا عدم الأستقرار والأمن والسلام .
الفاعل أو الحامل المطلوب اليوم ليس كياناً واحداً معزولاً ، بل منظومة وطنية يُعاد بناؤها ، قوامها :
- سلطة وطنية ( حكومة ) تُدار بكفأة وشفافية ونزاهة وفق مبدأ الانتخابات وفصل السلطات ، كأداة صمود لا كبديل عن التحرر بمرجعية منظمة التحرير .
- ومنظمة تحرير فلسطينية مُفعلة وفق أسس ديمقراطية وقائدة برؤية وببرنامج سياسي واضح وأدوات منتخبة ومشاركة شعبية .
- وحركة "فتح" تستعيد بوصلتها التاريخية ودورها كحركة تحرر وطني وديمقراطي بما يستوجب من برامج سياسية وتنظيمية فاعلة بعيدا عن حال الجمود بالمكان والزمان .
وإلا ، فإن ما يرافق المرحلة المستمرة من عدوان الإبادة والتوسع الأستيطاني الشرس والتدمير الإستعماري الجاري ، لن يكون سوى مرحلة جديدة من إدارة القضية الوطنية الفلسطينية كأزمة ومشروع أدارة سكان بأسماء متعددة ، لا أستعادتها كقضية تحررية .

