شراكات راسخة: الهند والعالم العربي وفلسطين في مستقبل مشترك
الكاتب: ماهيما سيكاند
منطقة في مرحلة انتقالية، وشراكة تتجدد
في أوقات عدم اليقين، لا يُقاس الميزان الحقيقي للدبلوماسية من خلال البيانات الرسمية أو قاعات المؤتمرات، بل بمدى قدرتها على تحسين الحياة اليومية للناس العاديين؛ مؤسسات فاعلة، فرص للشباب، ومجتمعات تشعر بالأمان الكافي للتخطيط للغد. هنا تحديداً تبرز قيمة الشراكات.
بهذه الروح، يجب فهم الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الهند والدول العربية، الذي عُقد في ٣١ يناير ٢٠٢٦ في نيودلهي. لقد كان هذا الحدث، الذي ضم الهند وجميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية بعد انقطاع دام قرابة عقد من الزمان، أكثر من مجرد حدث دبلوماسي رسمي؛ لقد كان تأكيد على علاقات حضارية واقتصادية وإنسانية عميقة.
لقد ارتبطت الهند والعالم العربي لقرون عبر طرق التجارة، والمنح الدراسية، والثقافة، والهجرة. واليوم، تتجسد هذه الروابط في تجارة مزدهرة، وشراكات في مجال الطاقة، وتبادلات تعليمية، ووجود ملايين الأشخاص الذين يتنقلون بين منطقتينا كل عام.
ومع ذلك، لم تكن المحادثات في نيودلهي تدور حول التاريخ فحسب، بل صاغتها الحقائق السياسية والأمنية الراهنة. تشهد منطقة غرب آسيا اليوم ضغوطاً عميقة؛ صراعات مستمرة، محن إنسانية، عدم يقين اقتصادي، واضطرابات في التجارة والربط كلها تؤثر ليس فقط على المنطقة، بل على الشركاء في أماكن أبعد بكثير. وفي كلمته خلال الاجتماع، أشار وزير الشؤون الخارجية الدكتور إس. جايشنكار إلى أن التطورات في المنطقة لها عواقب مباشرة على الهند، نظراً للروابط الشعبية العميقة، والاعتماد المتبادل في مجال الطاقة، والروابط التجارية، والمصالح المشتركة في الاستقرار البحري والإقليمي. بهذا المعنى، فإن ما يحدث هنا لا يبقى محلياً، بل يتردد صداه عبر الاقتصادات والمجتمعات، بما في ذلك المجتمع الهندي.
وبناءاًعلى هذه الخلفية، لم يركز الحوار في نيودلهي على الانخراط السياسي فحسب، بل على بناء "المرونة" للمستقبل، والنظر في كيفية استجابة التعاون للاحتياجات الملحة لمجتمعاتنا عبر خلق فرص عمل، وتعزيز أنظمة الرعاية الصحية، والاستثمار في المهارات والابتكار، وتأمين إمدادات الطاقة، وتوسيع الفرص للشباب.
وبطبيعة الحال، احتلت فلسطين مكانة مركزية في ذلك الحوار. وكانت إحدى النتائج الهامة لاجتماع نيودلهي هي إحياء الاتصالات الثنائية رفيعة المستوى بعد توقف نتج أولاً عن الجائحة، ثم عن التحديات الإنسانية والأمنية الجسيمة في غزة. وقد حملت مشاركة وزيرة الخارجية الفلسطينية الدكتورة فارسين شاهين أهمية خاصة، مؤكدة على الثقة التي يرتكز عليه تعاوننا. إن لقاءاتها ومشاركاتها في دلهي، بما في ذلك مع أعلى مستويات القيادة، سلطت الضوء على الاحترام المتبادل والعميق والتضامن بين بلدينا وشعبينا، والالتزام بالبناء على تاريخنا من أجل مستقبل أفضل. ويكتسب هذا الأمر صدى خاصاً في عام يصادف الذكرى الثلاثين لافتتاح البعثة الدبلوماسية الهندية في فلسطين.
وفي لقاءاته مع الوزراء العرب، جدد رئيس الوزراء ناريندرا مودي دعم الهند المستمر لشعب فلسطين، وأكد على أهمية جهود السلام المستمرة، والإغاثة وإعادة الإعمار. لقد كانت رسالته بناءة ومتطلعة للمستقبل، متمحورة حول كيفية تعزيز التعاون للمؤسسات وتحسين الحياة اليومية. إن التحديات الإنسانية والتنموية التي تواجه الشعب الفلسطيني ليست مخاوف معزولة؛ بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستقرار ورفاهية المنطقة الأوسع. لذا، فإن التقدم لفلسطين، من خلال الإغاثة والتعافي وبناء المؤسسات وتجديد الفرص الاقتصادية، ليس مجرد مسألة تضامن، بل هو مصلحة مشتركة. ففي نهاية المطاف، لا يستدام السلام من خلال المفاوضات فحسب، بل من خلال المدارس الفاعلة، والمستشفيات المتاحة، وسبل العيش المستقرة، والشباب المتمكن. فالتنمية، بهذا المعنى، هي بحد ذاتها شكل من أشكال الاستقرار.
تضامن متجذر في المبادئ ومستدام في الممارسة
بالنسبة للهند، لم تكن فلسطين يوماً مسألة هامشية في السياسة الخارجية؛ بل كانت دائماً تتعلق بالناس وطموحاتهم، وصداقة ممتدة عبر الأجيال، وعلاقة متجذرة في المبدأ والتعاطف. كانت الهند أول دولة غير عربية تعترف بدولة فلسطين، ودعمت باستمرار، قبل ذلك وبعده، التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني في الكرامة وتقرير المصير والسلام. لقد ظلت هذه المواقف ثابتة عبر العقود والحكومات، مما يعكس قناعة عميقة بأن رفاهية فلسطين جزء لا يتجزأ من استقرار وازدهار المنطقة بأسرها.
وقد تم التعبير عن استمرارية هذا الدعم ليس فقط في المحافل متعددة الأطراف، ولكن من خلال التواجد المستمر على الأرض، والانخراط السياسي، والتعاون التنموي، والروابط الشعبية التي نمت باطراد بمرور الوقت. وقد أعطى الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الهند والدول العربية دفعة أخرى لهذه الشراكة. وما جعل اجتماع نيودلهي ذا مغزى خاص هو أنه لم يتوقف عند تعبيرات التضامن، بل أنتج أطراً ملموسة، لا سيما "إعلان دلهي" و"البرنامج التنفيذي لمنتدى التعاون العربي الهندي لعامي ٢٠٢٦-٢٠٢٨"، والتي تنقل التعاون من حيز المبادئ إلى حيز التطبيق.
تحدد هذه الأطر قطاعات ذات أولوية تهم المواطنين بشكل مباشر: التحول الرقمي، الرعاية الصحية، الأدوية، الطاقة المتجددة، الأمن الغذائي، التعليم، تنمية المهارات، الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة، التعاون البحثي، السياحة، والتبادل الثقافي. كما تخلق آليات منظمة مثل مجموعات العمل، ومبادرات التدريب، والتبادلات، والروابط التجارية لضمان استدامة التعاون وقابليته للقياس بدلاً من كونه مجرد أحداث عابرة. وبالنسبة لفلسطين، فإن هذه البنية المؤسسية تفتح آفاقاً وفرصاً حقيقية.
إن شراكات التنمية الهادفة تكون أكثر فعالية عندما تكون متوقعة ومستمرة ومتجذرة في الأنظمة، لا معتمدة على مبادرات لمرة واحدة. ويوفر البرنامج التنفيذي تماماً هذا النوع من الأساس؛ فهو يمكن المؤسسات والجامعات ورواد الأعمال والمهنيين الشباب الفلسطينيين من الانخراط مباشرة في نظام إقليمي أوسع للمعرفة والتكنولوجيا والأسواق.
من الالتزام إلى التعاون: بناء الفرص معاً
من الناحية العملية، يمكن أن يتخذ هذا التعاون أشكالاً عديدة: المشاركة في برامج بناء القدرات والمنح الدراسية في الهند؛ التعاون بين مراكز البحوث والجامعات؛ الربط بين الشركات الناشئة وشبكات الابتكار؛ الشراكات في تقنيات الرعاية الصحية الميسرة والأدوية؛ التعاون في نشر الطاقة المتجددة؛ والروابط التجارية القوية التي تساعد الشركات الفلسطينية على الوصول إلى أسواق أوسع. قد تبدو هذه الأمور تقنية على الورق، لكن تأثيرها إنساني وتحويلي عميق.
إن فلسطين لا تفتقر إلى المواهب، بل على العكس، فإن أعظم مواردها هو رأس المال البشري. فشبابها متعلمون، متعددو اللغات، بارعون رقمياً، ويمتلكون روح المبادرة. في رام الله ونابلس والخليل وبيت لحم وغزة، نجد مبرمجين ومصممين ومهندسين ومؤسسي شركات ناشئة يبنون حلولاً ببراعة لافتة، غالباً بوسائل متواضعة للغاية وفي ظل ظروف صعبة لا يمكن تصورها. ما ينقصهم هو "النظام البيئي" الذي يتيح الوصول إلى الشبكات والإرشاد والفرص، وهنا يمكن للهند أن تكون بوابة موثوقة لهذا النظام.
إن مسيرة الهند الخاصة تمنحها حساسية معينة تجاه هذه الحقائق؛ فقد جاء الكثير من تقدم الهند من خلال التعامل مع التكنولوجيا والمعرفة كسلع عامة، وبناء بنية تحتية رقمية شاملة، وتمكين المبتكرين الصغار جنباً إلى جنب مع المؤسسات الكبيرة، والتركيز على الحلول التي تعالج التحديات اليومية. ويمتد هذا النهج بشكل متزايد إلى الذكاء الاصطناعي، والحوكمة الإلكترونية، وتقديم الخدمات الرقمية.
وبالنسبة لفلسطين، بسكانها الشباب والمتعلمين، يخلق هذا مساحة طبيعية للتقارب؛ ليس لفرض الحلول، بل للتعاون؛ وليس للقيادة من بعيد، بل للعمل جنباً إلى جنب؛ وليس لاستبدال القدرات المحلية، بل لتعزيزها. هذه الروح لطالما ميزت انخراط الهند مع فلسطين. فعلى مر السنين، دعم التعاون التنموي الهندي، الذي تجاوز ١٠٠ مليون دولار أمريكي، المدارس، ومراكز التدريب المهني، والحدائق التكنولوجية، والبنية التحتية المجتمعية، وبرامج بناء القدرات. كما خلقت المنح الدراسية والتبادلات جيلاً من الفلسطينيين لديهم خبرة مباشرة في الهند. هذه المبادرات نادراً ما تتصدر العناوين، لكنها هي التي تبقى وتستمر.
تطلع للمستقبل: شراكة في خدمة الناس
بالنسبة لفلسطين، يأتي هذا الانخراط مع الهند والعالم العربي الأوسع في لحظة حاسمة للغاية. فهو لا يقدم فقط طمأنينة الاهتمام الدبلوماسي، بل يوفر آفاقاً لتعاون أعمق وأكثر عملية، ويخلق مساحة لشراكات موسعة في التكنولوجيا والصحة والتعليم والتجارة والمهارات؛ وهي القطاعات التي تؤثر بشكل مباشر على واقع المواطنين اليومي وآفاقهم المستقبلية.
وبنفس القدر من الأهمية، فإنه يشير إلى الاستمرارية. فحتى وسط الأولويات العالمية المتغيرة وعدم اليقين الإقليمي، بقي انخراط الهند مع فلسطين ثابتاً، ومحترماً، وموجهاً نحو التنمية. لقد ساعد هذا الثبات في بناء الثقة بمرور الوقت؛ والثقة، أكثر من أي مبادرة منفردة، هي ما تتيح التعاون الهادف. بهذا المعنى، فإن وجود فلسطين في قلب الحوار الهندي-العربي هو أمر رمزي واستراتيجي في آن واحد. رمزي لأنه يعكس تضامناً واعترافاً راسخين، واستراتيجي لأنه يرسخ التعاون المستقبلي في نتائج ملموسة تهم الناس على الأرض.
لقد شكلت المحادثات في نيودلهي ليس فقط علامة دبلوماسية بارزة، بل فرصة لترجمة النوايا الحسنة إلى شراكات، والشراكات إلى تقدم؛ لخلق الظروف التي يمكن فيها للناس العاديين بناء مستقبل أفضل. وإذا استمرت الهند وفلسطين في العمل معاً بهذه الروح -ربط التضامن بالحلول، والصداقة بالتعاون المتطلع للمستقبل- فإن الفصل القادم من شراكتنا لن يكون استراتيجياً فحسب، بل سيكون تحولياً وتغييرياً بكل معنى الكلمة.

