الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:07 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 2:53 PM
المغرب 5:22 PM
العشاء 6:38 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من «فتح» إلى مُسميات اللجان ، كيف يُعاد تدوير الهزيمة بصيغ الحُكم والإدارة .

الكاتب: د . مروان إميل طوباسي

لم تعد المعضلة الفلسطينية اليوم محصورة في سؤال “كيف ننتصر؟”، بل باتت تتمحور بصورة أكثر خطورة حول ، كيف نمنع تحويل الهزيمة إلى نظام حكم دائم ، يُدار سياسيا وإدارياً ، ويُقدّم كواقع لا بديل عنه . ففي أعقاب حرب الإبادة على غزة ، ومع الانهيار المتراكم في بنية النظام السياسي الفلسطيني للاسباب المعروفة  ، تتكثف محاولات إعادة تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مسألة إدارة سكان ، تحت عناوين إنسانية وإصلاحية وتنظيمية تبدو في ظاهرها واقعية ، لكنها في جوهرها تفكيكية .

في هذا السياق ، لا يمكن تجاوز حركة «فتح» بوصفها العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية ، والحركة التي قادت المشروع الوطني منذ انطلاقتها الى جانب المكونات الاخرى التعددية للثورة والحركة الوطنية . فمسؤوليتها اليوم ليست تنظيمية فحسب ، بل تاريخية في لحظة سقوط أوهام أوسلو ، والانكشاف الكامل للإرادة الأمريكية–الإسرائيلية الهادفة إلى دفن حل الدولتين ومبدأ حق تقرير المصير ، وإعادة تدوير الأحتلال بأشكال أقل كلفة سياسية وأكثر قابلية للإدارة .

المؤتمر الثامن لحركة «فتح» لا ينعقد إذاً في سياق اعتيادي ، بل على أعتاب مرحلة سياسية جديدة تتسم بتحولات عميقة تتمثل الى جانب المتغيرات الدولية والإقليمية الجارية ، في عدوان إبادي مستمر على غزة وتقسيماتها  ، توسع استيطاني وحشي وتهويد ممنهج للضفة ، تهديد وجودي لوظيفة السلطة الفلسطينية كمحطة مفترضة نحو الدولة ، دون ان تكون بديلاً عن مشروع التحرر ، ومحاولات متسارعة لفصل غزة سياسياً وإدارياً ، مع إبقاء مشروع التهجير كخيار مؤجل لا مُلغى . في هذه اللحظة ، يصبح السؤال المركزي هو ، هل تبقى «فتح» أسيرة دورها كحركة مقيدة بوظائف السلطة تحت الأحتلال ، أم تستعيد دورها كحركة تحرر وطني تمتد بين جماهير شعبنا بالوطن والشتات تقود إعادة بناء المشروع الوطني التحرري بوضوح الإرادة السياسية والبرنامج والأدوات ؟

غير أن أزمة القيادة لا تنفصل عن أزمة البنية ، فبالتوازي مع إضعاف الدور السياسي للحركة الوطنية ، يجري العمل على تفكيك التمثيل الوطني عملياً ، عبر نقل مركز الثقل من السياسة إلى الإدارة . فما يُطرح اليوم في غزة من لجان وهيئات “وطنية” لإدارة الكارثة ، لا يمكن قراءته كترتيبات تقنية أو إنسانية مؤقتة ، بل كجزء من مسار أوسع لتحويل الإبادة إلى مدخل لإنتاج نظام حُكم جديد ، بلا سيادة وطنية ، وبلا أفق تحرري ، يفصل الإغاثة عن التحرر ، والأستقرار عن العدالة .

التجربة الفلسطينية نفسها تحذّر من خطورة هذا المسار ، فما قُدم تاريخيا كحلول مؤقتة ، من جرائم النكبة إلى الأحتلال ، ومن الإدارة العسكرية إلى أوسلو ، تحوّل دائما إلى وقائع مُقننة . 

واليوم ، يُعاد إنتاج الخطر ذاته بصيغة “ما بعد الكارثة”، حيث تُستبدل المواجهة السياسية مع الأحتلال الإستعماري بمنطق إدارة الواقع تحت سقفه ، أو برعاية دولية تتيح الإدارة المباشرة الأمريكية وخاصة لترامب شخصيا ، لا ترى في شعبنا الفلسطيني شعباً صاحب حقوق ، بل عبئاً إنسانيا ينبغي ضبطه واعادة بناء "الانسان الفلسطيني الجديد" .

الأخطر أن نموذج “ادارة غزة” لا يُطرح كاستثناء ، بل كنموذج قابل للتعميم . ففي الضفة الغربية ، تتقدم محاولات موازية لتفكيك الوظيفة السياسية للسلطة الوطنية ، عبر ضغوطات واشتراطات واملاءات ينشط بها الأمريكان والبعض الاوروبي تهدف الى تسييس الحكم المحلي ، وإعادة تحميل البلديات والهيئات المحلية أدوارا تتجاوز طبيعتها الخدمية والتنموية ، تحت عناوين تتمثل في فشل السلطة ، الإصلاح وفق رؤيتهم ، اللامركزية ، أو الانهيار المالي . هنا لا يجري الحديث عن نقل نموذج كامل ، بل عن تفكيك تدريجي للتمثيل السياسي الذي غُيبت اجرائاته لأكثر من عشرين عاما ، وإعادة توزيعه على وحدات محلية متفرقة ، تُمنح شرعية وظيفية ، لكنها تفتقد لأي رابط وطني سياسي جامع .

في هذا الإطار ، تكتسب الانتخابات البلدية دلالة سياسية تتجاوز بعدها الخدمي وفق تعديلات القانون بقرار ، فالخطر لا يكمن في مبدأ الانتخابات ، بوصفها حقا ديمقراطيا اساسياً ، بل في توظيفها كبديل سياسي مُقنّع ، وتحويل الحكم المحلي إلى قناة تمثيل “مقبولة دوليا”، يمكن استخدامها لاحقا للالتفاف على السلطة ، ولاحقا لتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية نفسها ، لا عبر إلغائها ، بل عبر إفراغها من مضمونها التمثيلي عمليا ودورها السياسي ، في حال سيطرة قوى عشائرية وقبلية بعيدا عن الحركة الوطنية وتراثها الكفاحي في رفض مشاريع الأحتلال بدأ من مواقف الكتل الوطنية في انتخابات عام ١٩٧٦ التي رفعت شعار "لا للإدارة المدنية ".

هكذا ، يُعاد تعريف الفلسطيني لا كشعب يخوض معركة تحرر وطني ، بل كسكان تُدار شؤونهم عبر شبكة إدارات محلية ، لكل منها شرعية جزئية ، فيما يغيب المشروع الوطني الجامع . وهو مسار لا يستهدف فصيلًا بعينه ، ولا يقتصر على إضعاف السلطة ، بل يطال جوهر القضية الفلسطينية نفسها ، عبر نقلها من حقل التحرر إلى حقل الحوكمة تحت الأحتلال .
حتى حالة المواطنة ، فهي ليست حالة إدارية تتبدل بتغيّر المؤسسة ، ولا صفة تُجزّأ بين وزارة وبلدية وغيرها من المؤسسات . هي علاقة واحدة وثابتة تقوم على الإنتماء المتساوي والحقوق المكفولة ، والواجبات المحددة . 

فالمواطن لا يجب أن يصبح “أقل مواطنة” عند بوابة انتخابات البلدية ليخضع الى مفاهيم العشائرية والأعراف التي لا مكان لها بوجود نصوص قانونية واضحة ، حيث لا يجوز الأجتهاد بالنص ، ولا أن يكون “أكثر مواطنة” عند تعامله مع مؤسسات الدولة ، فكرامته واحدة وحقه واحد وموقعه كشريك في الشأن العام لا يتغير كمواطن متساوي بالحقوق والواجبات ،  لا يقبل ان تخضع مكانته وكفائته الى معايير غير قانونية تحت "مُسمى العُرف" قد تجاوزتها تطور المجتمعات أو الى تدخل غير ديمقراطي من وزير الحكم المحلي بصلاحية تعيين رئيس البلدية ببعض الحالات ، ولا يجوز للقوى السياسية الوطنية التي أنتمى اليها المواطن أن تتبنى هذه التقييدات التي عَفى الزمن عليها في كل المجتمعات الأنسانية ذات الأنظمة المدنية المتحضرة ، فلو كان القانون يتيح انتخاب رئيس البلدية بشكل مباشر من المواطنين الى جانب انتخاب القائمة كما حال الدول الذي نُسخ منها هذا النموذج من الانتخابات ، لما كان هذا التدخل أو ما يُسمى "بالعُرف" متاحاً .

من هنا ، فإن استحقاق المؤتمر الثامن لحركة «فتح» في أيار القادم يتجاوز مستقبل الحركة نفسها ، ليطال مصير النظام السياسي الفلسطيني ككل ودور الحركة الوطنية . فإما أن تُعاد صياغة دور "فتح" كقوة تحرر وطني تقود إعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية جامعة واسعة ، وتفك الارتباط الوظيفي بين السلطة وأوسلو ، وتعيد الاعتبار لمفهوم السلطة كأداة صمود لا كبديل عن التحرر ، تقوده "فتح" ألى جانب مكونات الحركة الوطنية بآليات جديدة تدفع بتقدم  مجتمعنا بروح الفكر المدني الأجتماعي الديمقراطي وثقافة المقاومة السياسية ، وإما أن يُترك الفراغ ليُملأ بصيغ خارجية ، تُفرض تحت مسميات “الإصلاح” و”الأستقرار” و”الإدارة الأكفأ”، بينما يجري تعميق السيطرة وتدوير الأحتلال .

المعركة الحقيقية اليوم ليست معركة لجان أو بلديات أو صيغ إدارية قد تتحول إلى نزاعات قبلية وعشائرية بحكم نصوص النظام الانتخابي وفق القانون الجديد من شكل القوائم وآلية انتخابها ونسب النجاح وغيره ، بل معركة الدفاع عن المشروع الوطني التحرري ، وعن اعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها جبهة وطنية عريضة والإطار التمثيلي الجامع ، بحيث يتوجب ان تساهم انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر القادم بتعزيز هذا المسار . فإما أن يبقى المشروع الفلسطيني مشروع تحرر وطني ديمقراطي ، أو يُفكك تدريجيا إلى كيانيات مُدارة ، تبدأ من غزة ، وتمر بالحكم المحلي ضمن حالة قد يَفرضها الأحتلال ، او غيرها من اللجان ، ولا يُعرف أين تنتهي .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...