الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:05 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 2:56 PM
المغرب 5:24 PM
العشاء 6:41 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الإسفلت لا يكذب

الكاتب: رامي مهداوي

لا يمكن النظر إلى التصدعات والهبوط التي تصيب شوارع افتُتحت حديثًا بوصفها خللًا هندسيًا أو حادثًا تقنيًا معزولًا. هذا التفسير الساذج يصلح للتقارير السريعة، لا للقراءة الجدية للواقع الفلسطيني. ما يحدث في طبقة الإسفلت ليس إلا تمظهرًا ماديًا لانهيارات أعمق في بنية الإدارة، ومنظومة القرار، وفلسفة “الإنجاز” التي باتت تُقاس بالافتتاح لا بالاستدامة.

في المجتمعات الطبيعية، يُفترض أن يكون الشارع أحد أكثر عناصر البنية التحتية استقرارًا، لأنه خلاصة تخطيط، ودراسة تربة، وحساب أحمال، ورقابة تنفيذ. أما في الحالة الفلسطينية، فيبدو الشارع الجديد كأنه مشروع تجريبي قصير العمر، مصمم ليصمد حتى موعد الصورة الرسمية، ثم يُترك ليواجه واقعه وحده. التصدع هنا ليس مفاجأة، بل نتيجة منطقية لمسار مختل في ترتيب الأولويات.

الخلل الجوهري لا يكمن في ضعف الإسفلت، بل في هشاشة العقل الذي يقف خلفه. نحن نعيش منطق "النتيجة قبل المسار"، حيث يُختصر التخطيط في وثيقة، والرقابة في توقيع، والمساءلة في صمت لاحق. وكما تُبنى الشوارع على تربة غير مُعالجة، تُبنى السياسات العامة على افتراضات غير مختبرة، وتُطلق المشاريع دون بنية مؤسسية قادرة على حمايتها بعد الافتتاح.

النخبة الفلسطينية بكل قطاعاتها على حد سواء، تعرف هذا جيدًا، لكنها غالبًا ما تتعامل معه كأمر اعتيادي. فالهبوط في الشارع يشبه الهبوط في معايير الجودة، والانحدار في ثقة الجمهور، والتآكل البطيء في مفهوم الدولة ذاته. كل تصدع هو شهادة فشل صغيرة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى نمط، وحين يصبح النمط مقبولًا، نكون أمام أزمة بنيوية لا أزمة مشاريع.

يُقال الكثير عن الاحتلال، وهو عامل حاسم بلا شك، لكنه لا يفسر وحده لماذا تتكرر الأخطاء ذاتها، ولماذا لا تُبنى أنظمة رقابة صارمة حتى في المساحات المتاحة. الاحتلال يقيّد، الإحتلال بُدمر لكنه لا يفرض الرداءة في أدائنا، ما دخل الاحتلال في هبوط الرصيف أو الشارع الذي تم افتتاحه واحتفلنا به؟ هل يمنع الاحتلال من أن تعلم من الفشل؟! ولا يحول دون محاسبة داخلية شفافة. المشكلة الحقيقية أن خطاب "الاستثناء الفلسطيني" تحوّل من توصيف للواقع إلى مبرر دائم لتعليق المعايير.

الشوارع الجديدة التي تهبط سريعًا تُنتج أثرًا نفسيًا لا يقل خطورة عن أثرها المادي. المواطن الذي يرى المال العام ينهار تحت قدميه، يفقد تدريجيًا إيمانه بفكرة التخطيط، وبجدوى الإصلاح، وبصدق الخطاب الرسمي. ومع الوقت، لا يعود يطالب بالجودة، بل يكتفي بالموجود، ويتعايش مع الرداءة بوصفها قدرًا. هنا تحديدًا يبدأ الانهيار الصامت: حين تنكسر علاقة المجتمع بفكرة التحسين الممكن.

الأخطر أن التصدع لا يستدعي مراجعة جذرية، بل "ترقيعًا" جديدًا. تُعاد الحفريات، يُسكب إسفلت آخر، وتُغلق الدائرة دون مساءلة حقيقية: من خطط؟ من نفذ؟ من راقب؟ وما الذي سيتغير في المشروع القادم؟ هذا السلوك لا يُصلح طريقًا، بل يعمّق أزمة الإدارة، ويُرسّخ ثقافة الإفلات من المسؤولية.

إن الشارع، في نهاية المطاف، نص سياسي واجتماعي مكتوب بالإسفلت. إما أن يكون تعبيرًا عن عقل دولة تفكر بالمستقبل، أو انعكاسًا لسلطة تُجيد إدارة اللحظة فقط. وفي الحالة الفلسطينية، تقول التصدعات بوضوح إن المشكلة ليست في الطريق، بل في الطريقة.

ما لم يُعاد تعريف "الإنجاز" بوصفه قدرة على الصمود لا لحظة افتتاح، ستبقى شوارعنا الجديدة قديمة منذ يومها الأول، وسيظل الواقع الفلسطيني يُعاد إنتاجه: سطح لامع، وأساس هش، وتصدعات لا تحتاج إلى خبراء لقراءتها، بل إلى شجاعة للاعتراف بما تعنيه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...