مرافعة تاكر كارلسون
الكاتب: د. أحمد رفيق عوض
قبل ألف سنة تقريباً، تفاجأ الصليبيون بوجود مسيحيين في بلادنا أيضاً، ولكن الأوهام والأطماع كانت أكبر من التعاطف أو الرابطة الدينية، لهذا أعمل هؤلاء الغزاة السيف في رقاب مسيحيي البلاد، مثلهم مثل إخوتهم المسلمين، لم يصدّق الغزاة أن هناك مسيحيين لهم كنائسهم وحقولهم ومدارسهم وأعمالهم ومساهماتهم في الحياة العامة، كانت تلك الحقيقة لا تتلائم مع المشروع الصليبي الاستعماري على الإطلاق، ولهذا لم يسجل التاريخ أن مسيحيي بلادنا تعاملوا أو تعاونوا مع الغزاة إلا في حدود دنيا وضيقة، وكان ذلك بسبب العجز أو العوَز أو الرغبة في الخلاص تماماً كما يحدث لكل شعب يقع تحت الاحتلال.
وعلى أيامنا هذه أيضاً يحمل الإعلامي الأمريكي اليميني تاكر كارلسون مهمة إيضاح الحقيقة العادية بالنسبة لنا، المذهلة بالنسبة لليمين المسيحي المتطرف في بلاده، أن هناك مسيحيون في فلسطين والأردن يعيشون منذ آلاف السنين باعتبارهم ملح الأرض فعلاً لا قولاً، وأنهم يقدّمون وإخوتهم المسلمون مثالاً حياً للألفة والتعاون والتمازج الثقافي، وكذلك في الوطنية والمواطنة، وأن كل ما يتعرضون له من تهجير وضيق وملاحقة وإهانة لم يكن لإخوتهم المسلمين أي دور فيه، وقد قدم كلاً من حسام نعوم، رئيس أساقفة القدس في الكنيسة الأنجليكانية، وكذلك أسعد المعشر من الأردن، صورة بالغة النصاعة للتعددية المثمرة والفسيفساء الباهرة للحياة المشتركة في فلسطين والأردن على حد سواء، كانت الدهشة تقفز من عيني الإعلامي الأمريكي الشجاع وهو يسمع ويرى كيف أن كل الأكاذيب والأوهام التي تنشرها وسائل الإعلام الأمريكية في معظمها تسقط على تلال هذه البلاد وجبالها، سمع هذا الرجل ورأى بأم عينيه أن هناك مَلكاً عربيا مسلماً يهتم بالأوقاف الإسلامية والمسيحية، وأن المسيحي يتمتع بكل الحقوق والأحقية، وأن الإسلام جزء من ثقافة المسيحيين، وأن التعايش والتسامح والتفاهم ليست مفاهيم خيالية، وإنما هي حقائق تُعاش بشكل يومي واعتيادي.
ما قدّمه تاكر كارلسون في منصته كان بمثابة صفعة وصدمة لليمين المتطرف الذي يدّعي المسيحية، أقصد مسيحية سكوفيلد وإنجيليه المرجعي، ذلك المحامي الأمريكي الذي قدّم شروحات مشيحانية للكتاب المقدس وتحولت إلى إنجيل آخر.
ما فعله كارلسون بالدليل الحي والملموس أن الدعم المقدم من تلك المجموعات المتطرفة إنما يعمل على تهجير المسيحيين وإفقارهم وإذلالهم، وأن ما يؤمنون به من تفسيرات وشروحات للإنجيل إنما تضر بالمسيحيين ووجودهم
وحياتهم في أرضهم التي لم يغادروها منذ آلاف السنين، ما فعله كارلسون أنه كشف وعرّى وأسقط كل الادعاءات والأكاذيب أيضاً، وقدّم صورة مغايرة تماماً للدعاية المغرضة وللأموال السياسية المتدفقة التي تخدم الاحتلال، وأن مجموعة الحقائق والدلائل التي قدّمها كارلسون في برنامجه إنما هي مرافعة إنسانية ضد ذلك التيار العريض المتحكم في القرار والمزاج الشعبي الأمريكي، وهو ما سيزيد من حدة النقاشات الدائرة حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية.

