الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:03 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 2:58 PM
المغرب 5:27 PM
العشاء 6:43 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الانتخابات في زمن الضجيج الرقمي: معركة وعي في مواجهة التضليل

الكاتب: شادي زماعره


لم تعد المعلومة اليوم حكرا على المؤسسات الإعلامية أو المصادر الرسمية، فمع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي ومنصاتها المختلفة، باتت الأخبار في متناول الجميع، إنتاجا وتداولا وتعليقا. هذا الانفتاح، رغم ما يحمله من فرص لتعزيز المشاركة والتفاعل، خلق في المقابل تحديا خطيرا يتمثل في صعوبة ضبط المعلومات، خاصة في اللحظات الوطنية الحساسة.

فلسطينيا، نعيش مرحلة دقيقة ومفصلية مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية، بما فيها مراحل الترشح والدعاية الانتخابية. وهي مرحلة تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية، ليس فقط من المؤسسات الرسمية، بل من المجتمع بأكمله. فالانتخابات، في جوهرها، ممارسة ديمقراطية خالصة، والانتخابات المحلية على وجه الخصوص تمس حياة المواطن اليومية، لأنها تتعلق بالتنافس على تقديم خدمة أفضل داخل هيئات محلية تشكل العصب الخدمي للمجتمع.

غير أن هذه الأجواء الديمقراطية لا تخلو من التحديات. ففي كل استحقاق انتخابي، تتكاثر الأخبار المضللة والإشاعات والمعلومات غير الدقيقة، سواء تلك التي تستهدف العملية الانتخابية نفسها، أو تشكك في نزاهتها، أو تطال المرشحين والمنظمين والقائمين على إدارتها. ومع سرعة انتشار المحتوى الرقمي، تتحول الإشاعة إلى "حقيقة" متداولة قبل أن تتاح فرصة التحقق منها أو نفيها.

الخطورة لا تكمن فقط في المعلومة الكاذبة، بل في الأثر التراكمي لها على الوعي العام. فالتشكيك المستمر، وبث الشكوك، وضرب الثقة بالمؤسسات، كلها أدوات تُستخدم -عن قصد أو دون قصد - لإضعاف الإيمان بالعملية الديمقراطية برمتها. وفي السياق الفلسطيني، غالبا ما تتجاوز هذه الأخبار حدود النقد المشروع لتتحول إلى إساءة لكل ما هو فلسطيني، أفرادا ومؤسسات، في بيئة سياسية وإعلامية معقدة ومفتوحة على الاستهداف.

في كثير من الحالات، لا يكون هدف مروجي الأخبار المضللة البحث عن الحقيقة أو المصلحة العامة، بل السعي إلى تحقيق تفاعل أكبر، أو تصفية حسابات سياسية وشخصية، أو ضرب مرشحين بعينهم، أو التشويش على الجهات المنظمة للعملية الانتخابية. وهنا تتحول المنصات الرقمية من مساحة نقاش عام إلى ساحة صراع مفتوح، تستخدم فيها المعلومة كسلاح.

لكن في مقابل هذا المشهد المربك، يبرز الوعي الشعبي الفلسطيني كخط دفاع أساسي. فالشعب الفلسطيني، الذي راكم تجربة طويلة في مواجهة التضليل والدعاية الموجهة، يمتلك حسا نقديا متقدما، ويدرك خطورة الانجرار خلف كل ما ينشر. هذا الوعي هو ما يجعل كثيرا من الإشاعات قصيرة العمر، ويمنح الحقيقة فرصة للظهور رغم الضجيج.

ومع ذلك، فإن الوعي وحده لا يكفي دون تعزيز ثقافة التحقق والمسؤولية الرقمية. فالمواطن اليوم ليس متلقيا فقط، بل شريك في صناعة المشهد الإعلامي. كل مشاركة، أو إعادة نشر، أو تعليق، قد تسهم في ترسيخ معلومة صحيحة أو في توسيع دائرة التضليل. ومن هنا، تصبح المسؤولية فردية وجماعية في آن واحد.

كما يقع على عاتق المؤسسات الرسمية والإعلامية دور محوري في هذه المرحلة، من خلال توفير معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب، والرد السريع على الإشاعات، واعتماد خطاب واضح وشفاف يقطع الطريق على التأويل والتشكيك. فغياب المعلومة الرسمية يفتح المجال واسعًا أمام الروايات البديلة، بعضها بريء وأكثرها مضلل.

الانتخابات المحلية ليست مجرد منافسة سياسية في هذا الوقت تحديدا، بل اختبار حقيقي لوعي المجتمع ونضجه الديمقراطي. وحماية هذا الاستحقاق من الأخبار المضللة ليست مهمة جهة بعينها، بل مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من الفرد، وتمر بالإعلام، ولا تنتهي عند المؤسسات.

في النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من الإشاعة، والوعي أقوى من التضليل، حين نختار جميعا أن نكون جزءا من الحل لا من المشكلة، وأن نتعامل مع الكلمة كما لو كانت فعلا لأن أثرها في زمن الانتخابات قد يغير مصير ثقة، أو يشوّه صورة، أو يهدم جهدا وطنيا كاملا.

 

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...