الأزمة المالية وجرس إنذار الوزير
الكاتب: رأي مسار
بما أن الفلسطينيين في الضفة والقطاع والقدس، قرروا بإجماعٍ وطني لا تشوبه شائبة، مواجهة السياسة الإسرائيلية بكل أشكالها، الهادفة إلى تصفية القضية وتبديد إمكانيات قيام الدولة الفلسطينية بتمزيق الأرض بُغية ابتلاعها قطعةً وراء قطعة، وتهجير المواطنين حيثما أمكن داخلياً أو خارجياً.
بما أن الأمر كذلك فإن مهام المرحلة الراهنة خصوصاً بعد القرارات الجراحية الأخيرة، التي اتخذتها حكومة الاحتلال، وعدم ظهور إشاراتٍ جديةٍ تدلّ على أن الرفض الدولي الشامل لها سيرغم الحكومة الإسرائيلية على التراجع عنها أو حتى تجميدها، فلابد من أن تجري مراجعةٌ شاملةٌ للسياسة الفلسطينية مع وضع أولويةٍ عاجلة لمعالجة الوضع المالي المتدهور في البلد، والذي أشار إليه بوضوحٍ شديد وزير المالية، على هيئة جرس إنذار، ما يحتّم التخّلي عن الأنماط السائدة في المعالجة التي أساسها انتظار نتائج الضغوط الدولية على إسرائيل، للإفراج عن الأموال المحتجزة لديها أو بعضٍ منها، ومواصلة الاقتراض من البنوك المحلية الذي إن ساهم في حلولٍ سطحيةٍ جزئيةٍ مؤقتة لأزمة الرواتب مثلاً، فهو وصفةٌ أكيدةٌ لمزيدٍ من التدهور المالي والاقتصادي، كذلك التعويل على دعمٍ عربيٍ وأوروبي يتجاوز التنقيط في الحلق، الذي يُبقي على الحدّ الأدنى من مستلزمات الحياة، ولكنه بالمقابل يراكم مشاكل تتعمّق كل يوم لتصل حدّ استحالة وضع حدٍ لها.
المواطنون الذين يعانون من تدهور الحالة المالية، وخصوصاً جيش الموظفين الكبير، والعمّال الذين فقدوا دخلهم المنتظم على النحو الذي استنزف حياتهم والاقتصاد الوطني كله، يرون بأعينهم ويلمسون على جلودهم مدى تقصير السلطة في المعالجة، التي غالباً ما تلجأ إلى إجراءاتٍ سهلةٍ للتحايل على الأزمة مما يؤدي بالتراكم إلى انفجارها، وهذا يعني أن جدار الصمود الوطني في مواجهة سياسة التصفية الإسرائيلية صار عُرضةً للتداعي والانهيار.
السلاح الأساسي الذي يمتلكه الفلسطينيون هو رفضهم المطلق ليس فقط للضم والتهجير وإنما لوجود الاحتلال بشقيه العسكري والاستيطاني، وهذا السلاح لا يعمل بصورةٍ تلقائية، بل هو بأمسّ الحاجة لخدمةٍ مستنيرةٍ فعّالةٍ ومنهجية وليس ارتجالية.
لا خوف على الأهداف الوطنية التي يعتنقها الشعب الفلسطيني، وتتحدث عنها كثيراً الفصائل السياسية الاستهلاكية ولكن الخوف من أن تتواصل معالجة الأزمة المالية كما لو أن المال ينتظر وراء الأبواب، وسيأتي من خلال الضغوط السياسية.
الأمر وبعد أن أشبعنا أزماتنا تحليلاً وتنظيراً وتحذيراً، صار بحاجةٍ ملحةٍ وعاجلة، لأن يضع المختصون سياسةً تقشفيةً جديةً وعادلة، لترشيد الإنفاق المالي، وأن يتوقف الهدر، ذلك في زمنٍ ظهرنا فيه إلى الجدار والناس يعرفون كل شيء.

