الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:59 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 3:01 PM
المغرب 5:31 PM
العشاء 6:47 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين يصبح التعليم آخر خطوط الدفاع عن الوطن

الكاتب: د. ياسر أبو بكر

في لحظةٍ وطنيةٍ مثقلةٍ بالقلق، استمعت باهتمام عميق –لا بوصف بروتوكولي عابر– خلال زيارةٍ جمعتني بوزير التربية والتعليم د.أمجد برهم ووكيل الوزارة د.بصري صالح، إلى نقاش صريح ومكشوف حول واقع التعليم في فلسطين. لم يكن الحديث تجميلياً ولا دفاعياً، بل مواجهة مباشرة مع السؤال الذي يتهرب منه كثيرون:
 هل ما زلنا ندير تعليماً، أم ندير أزمة؟
ما خرجتُ به أن أزمتنا التعليمية ليست إدارية فقط، ولا نقابية فقط، ولا مالية فقط. نحن أمام فجوة بنيوية بين حق الطالب في التعليم، وحق المعلم في الراتب والكرامة المهنية. الخلل يبدأ حين يتحول أحد الحقين إلى أداة ضغط على الآخر. لا يجوز أن يُختزل التعليم في بند راتب، كما لا يجوز أن يُطلب من المعلم أن يحمل وحده عبء الانهيار المالي. المسألة أعمق: إنها معادلة توازن وطني.
دعونا نتحدث بلغة الأرقام قبل العواطف. في فلسطين نحو 1.4 مليون طالب وطالبة في المدارس، داخل ما يقارب 3,200 مدرسة، ويشرف عليهم قرابة 62 ألف معلم ومعلمة. في الضفة الغربية وحدها يتجاوز عدد طلبة المدارس الحكومية 600 ألف طالب. أي اضطراب في انتظام التعليم لا يصيب مؤسسة،، بل يصيب المجتمع بأكمله.
حين يتحول الدوام إلى يومين أو ثلاثة أيام أسبوعيًا، فنحن نفقد ما يقارب 40–50% من الزمن التعليمي الفعلي. هذه ليست فجوة في جدول الحصص، بل فجوة في مستقبل الاقتصاد، وفي وعي المجتمع، وفي قدرة الشباب على الصمود. المدرسة ليست سقفًا وجدرانًا،  هي عقد اجتماعي يومي بين الدولة والمجتمع.
وسط هذا المشهد، تبرز قناعة أساسية: مدير المدرسة هو نقطة الارتكاز. هو القائد الحقيقي داخل المؤسسة، تربويا وأخلاقيا. لكننا نطالبه بالقيادة دون أن نزوده بالأدوات الكافية. نضعه في مواجهة الغضب المجتمعي، والضغط النقابي، والتعقيد الإداري، ثم نطالبه بصنع المعجزات. لا يمكن أن نضع قائدًا في جبهة مشتعلة بلا صلاحيات واضحة ولا دعم مؤسسي صلب.
في ظل الانقطاع والاضطراب، يصبح الحديث عن برنامج مثالي كامل غير واقعي. المطلوب إدارة "حد أدنى ذكي" من التعليم: تركيز صارم على المهارات الأساسية-اللغة العربية، الإنجليزية، الرياضيات، العلوم-خصوصًا في الصفوف الأولى. إنقاذ الأساسيات هو إنقاذ البنية المعرفية لجيل كامل.
ومن بين المقترحات العملية لتقليل الخسائر، الاستفادة من متقاعدين ذوي خبرة ومتطوعين من أصحاب الحس الوطني لدعم الأنشطة الصفية واللاصفية، دون المساس بحقوق المعلم النظامي.
المجتمع الفلسطيني تاريخياً لم يتخلَّ عن مدرسته حين شعر أنها في خطر، لكن التطوع يجب أن يكون منظماً ومؤطراً، لا ارتجالًا عاطفياً.
أما في التعليم العالي، فالصورة لا تقل حساسية. لدينا أكثر من 220 ألف طالب جامعي موزعين على ما يزيد عن 50 مؤسسة تعليم عالٍ. الجامعات تعتمد أساسا على الرسوم الدراسية لتمويلها. ومع تأخر الرواتب أو صرف نسب جزئية منها، تصبح آلاف الأسر عاجزة عن تسديد الأقساط. الطالب هنا لا يفقد محاضرة فقط، يفقد مسارًا حياتيا كاملًا.
تكلفة رواتب قطاع التعليم تصل إلى عشرات الملايين شهريا، إذ قد تبلغ كلفة فصل دراسي واحد نحو 40–45 مليون شيكل رواتب فقط. في ظل أزمة سيولة مزمنة، يصبح انتظام التعليم معلقًا على قدرة مالية محدودة ومهددة.
لكن علينا أن نضع الأمور في سياقها الأوسع: نحن نُدير التعليم تحت الاحتلال. احتلال يتحكم بالموارد، يقيد الحركة، يقتطع الإيرادات، ويُبقي الاقتصاد في حالة هشاشة دائمة. في واقعٍ كهذا، لا تكفي الحلول التقليدية. لا يمكن مواجهة وضع استثنائي بأدوات عادية.
هنا تبرز أهمية الحلول الإبداعية. من الخطوات المهمة التي اتخذتها الوزارة بتوجيهات وزيرها إعادة تفعيل دفع أقساط أبناء الموظفين العموميين في الجامعات. هذه ليست منحة ولا ترفاً إدارياً، بل تدخل استباقي لحماية آلاف الطلبة من التعثر الأكاديمي. حماية الطالب الجامعي ليست خدمة اجتماعية ،، إنها استثمار مباشر في الاستقرار المجتمعي وصون لرأس المال البشري. وفي ظل الاحتلال، كل طالب نحميه من التسرب هو شكل من أشكال المقاومة المدنية الهادئة.
الإبداع في إدارة التعليم تحت الاحتلال يعني مرونة مالية تحمي الطلبة من الانقطاع، شراكات مجتمعية داعمة للمدارس، إعادة ترتيب الأولويات نحو الأساسيات، تمكين القيادة المدرسية، وإصلاح حوكمة الجامعات عبر تحديد مدد القيادات ومنع إعادة إنتاج المواقع بلا تجديد أو مساءلة.
كما أن النقاش حول الإضرابات يجب أن يُدار بعقل بارد. الحق النقابي مشروع، لكن حين يتحول إلى أداة غير منضبطة، فإن الخاسر الأول هو الطالب. استعادة الشرعية عبر انتخابات شفافة وتجديد التفويض تعيد التوازن بين الضغط المشروع والمسؤولية الوطنية.
ثمة بعد ثقافي لا يمكن تجاهله. حين يتحول التعليم من رسالة وطنية إلى ملف تفاوضي مؤقت، نفقد البوصلة. في الانتفاضات السابقة كانت المدرسة رمز الصمود، واليوم يجب أن تبقى كذلك. المعلم الذي يرى في الطالب ابنه، والمدير الذي يرى في مدرسته أمانة، والوزارة التي تبحث عن حلول خلاقة رغم شح الموارد-هؤلاء يشكلون خط الدفاع الحقيقي.
لنكن صريحين: إذا فقدنا انتظام التعليم لسنوات، فسنواجه فجوة معرفية عميقة، بطالة أعلى، هجرة أكبر، وهشاشة مجتمعية أخطر.
المسألة ليست أكاديمية، بل أمن مجتمعي واستقرار وطني.
التعليم في فلسطين ليس بنداً في الموازنة، بل ساحة صمود يومي. وإذا خسرنا المدرسة، فلن تعوضنا أي خطابات وطنية عن ذلك. إدارة النجاة التعليمية ليست خياراً، بل واجبٌ سياديّ لا يحتمل التأجيل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...