الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:57 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 3:02 PM
المغرب 5:34 PM
العشاء 6:49 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من يكتب للفلسطينيين روايتهم ؟

الكاتب: د. عمر رحال

من يكتب للفلسطينيين روايتهم ليس سؤالاً ثقافياً عابراً ولا جدلاً تربوياً محدوداً، بل هو سؤال تاريخي سياسي يمس جوهر الصراع على الذاكرة والهوية والسيادة المعرفية. فمنذ بدايات المشروع الاستعماري في فلسطين لم يكن النزاع يدور حول الأرض وحدها، بل حول الحق في تعريف التاريخ وتسمية الوقائع وصياغة المعنى. وقد أدركت القوى الاستعمارية مبكراً أن السيطرة على الجغرافيا لا تكتمل إلا بالهيمنة على السردية، وأن أخطر ما يمكن نزعه من شعب هو قدرته على رواية نفسه بلغته الخاصة. لذلك تحول كل ما له علاقة بالسردية، بما فيها المناهج التعليمية إلى ساحة مواجهة ، حيث يجري الصراع على المفاهيم قبل أن يجري على الوقائع، وعلى الوعي قبل أن يجري على السياسة.

 

في هذا السياق التاريخي تتجاوز مسألة تعديل المناهج حدود النقاش التربوي لتصبح امتداداً لمحاولات إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني بما يتلاءم مع رواية استعمارية تسعى إلى إعادة تعريف الماضي والحاضر معاً. فالمناهج ليست مجرد كتب مدرسية، بل مرآة لرؤية المجتمع لذاته، ومخزن لذاكرته الجماعية، وأداة لتوريث التجربة التاريخية للأجيال القادمة. وعندما تتكثف الضغوط الإسرائيلية ، ومعها بعض الدول الأوروبية تحت شعارات الحياد أو منع التحريض، يصبح السؤال أكثر عمقاً، هل يجري فعلاً البحث عن تعليم متوازن، أم عن نصوص تعليمية منزوعة السياق التاريخي والسياسي تعيد صياغة الرواية الفلسطينية بحيث تصبح أكثر قبولاً ضمن تصورات القوة المهيمنة.

 

لقد عاشت فلسطين عبر أكثر من قرن محاولات متواصلة لطمس الرواية الوطنية أو إعادة تفسيرها من الخارج، بدءًا من الخطاب الاستعماري الكلاسيكي الذي أنكر وجود الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى مقاربات حديثة تسعى إلى تفريغ المناهج من مفردات مثل الاستعمار والمقاومة والنكبة تحت ذريعة الحياد العلمي. غير أن الحياد في واقع غير محايد يتحول غالباً إلى شكل من أشكال الانحياز الصامت، حيث يجري تجريد التجربة الفلسطينية من بعدها التاريخي وتحويلها إلى سردية تعليمية بلا فاعل وبلا سياق. وهنا يظهر البعد السياسي العميق للنقاش حول التعليم، إذ لا يتعلق الأمر فقط بما يتعلمه الطلبة، بل بكيفية بناء تصورهم للعالم ولأنفسهم داخل تاريخ ما زال مفتوحاً على الصراع.

 

إن التعليم في الحالة الفلسطينية لا يمكن فصله عن مسار طويل من الكفاح من أجل الاعتراف والوجود، ولذلك فإن كل محاولة لإعادة كتابة المناهج تحمل في طياتها سؤالاً سيادياً حول من يملك حق تعريف الحقيقة. فحين تطالب تقارير صادرة عن بعض الأطراف الدولية بإزالة مفاهيم معينة أو إعادة صياغة أحداث تاريخية بحجة التهدئة، فإنها لا تتعامل فقط مع نصوص تعليمية، بل مع ذاكرة شعب كامل. والذاكرة حين يعاد تشكيلها خارج سياقها الوطني تتحول إلى مساحة نزاع جديدة، حيث يصبح الطفل الفلسطيني مطالباً بأن يرى تاريخه من زاوية لا تشبه تجربته اليومية ولا تعكس واقعه السياسي.

 

بهذا المعنى، يصبح السؤال عن من يكتب الرواية الفلسطينية سؤالاً عن الدولة والمعرفة في آن واحد، وعن قدرة المجتمع على حماية سرديته في مواجهة ضغوط سياسية تسعى إلى إعادة تعريف المفاهيم الأساسية مثل الاحتلال والعودة والمقاومة. فالمناهج التي تنزع منها اللغة التاريخية لا تنتج تعليماً محايداً بقدر ما تنتج وعياً مبتوراً يفتقد القدرة على فهم جذور الواقع الذي يعيش فيه. ومن هنا تتخذ معركة المناهج طابعاً وطنياً يتجاوز حدود الصف الدراسي، لتصبح جزءًا من صراع أوسع على الذاكرة والهوية وعلى الحق في أن يكتب الفلسطينيون روايتهم بأنفسهم، لا بوصفهم موضوعاً لقراءة خارجية، بل بوصفهم أصحاب تجربة تاريخية حية تستحق أن تروى كما عاشها أهلها لا كما يراد لها أن تبدو.

 

تقوم الضغوط الإسرائيلية والأوروبية على فرضية أن المناهج الفلسطينية يجب أن تكون خالية من اللغة التي تشير إلى الاحتلال أو تربط الواقع الفلسطيني بالاستعمار، حتى في المواد العلمية مثل الرياضيات والعلوم. ويطرح ذلك تصور تعليم محايد في واقع غير محايد، حيث يراد للطفل الفلسطيني أن يدرس الحياة اليومية بصيغة سلمية مجردة من أي إشارة إلى الانتهاكات التي يعيشها فعلياً. فحين تمنع الأمثلة المرتبطة بالحواجز العسكرية أو الاعتقال أو القيود على الحركة داخل المسائل العلمية، لا يكون الهدف مجرد تبسيط المادة التعليمية، بل إعادة تشكيل الوعي بحيث ينفصل العلم عن السياق السياسي والاجتماعي الذي يعيش فيه الطالب. هذا التوجه لا يسعى إلى تخفيف التوتر كما يدعي أصحابه، بل إلى تجريد التجربة الفلسطينية من بعدها الواقعي وتحويلها إلى تجربة تعليمية معزولة عن التاريخ.

 

ويظهر هذا التوجه أيضاً في المطالبة بالابتعاد عن اللغة التي تصف الاحتلال بأنه استعمار أو التي تربط القضية الفلسطينية بحركات التحرر العالمية مثل الجزائر وكوبا وفيتنام. فحين يمنع استخدام مصطلح الاستعمار أو حق الشعوب في مقاومة الاحتلال داخل المناهج، فإن ذلك لا يمثل مجرد اختيار لغوي، بل يعكس محاولة لإعادة تعريف الصراع ذاته. فالرواية التي تريد بعض التقارير الدولية ترسيخها تقوم على تصوير الاحتلال باعتباره نزاعاً سياسياً مجرداً وليس بنية استعمارية، وهو ما يؤدي إلى تجريد الفلسطينيين من السياق التاريخي الذي يمنحهم شرعية النضال ضمن القانون الدولي. وفي هذا السياق يصبح منع ذكر حق العودة أو تصويره كحق متنازع عليه وليس حقاً مكتسباً جزءًا من عملية إعادة صياغة المفاهيم القانونية والتاريخية بما يتلاءم مع تصور إسرائيلي لهوية الدولة وحدودها.

 

كما تمتد هذه الضغوط إلى المجال الثقافي والأدبي، حيث يوجه نقد حاد إلى القصائد والنصوص التي تتناول النكبة أو مجازر مثل الطنطورة والدوايمة، باعتبارها مشبعة بالعنف أو تحرض على التصعيد. غير أن هذا النقد يتجاهل أن الأدب يمثل مساحة لتوثيق الذاكرة الجماعية وللتعبير عن التجربة التاريخية للشعوب. فمحاولة حذف صور المناضلات أو المناضلين من المناهج، أو منع الحديث عن الصمود والتعذيب في سجون الاحتلال، تعني في جوهرها محو التاريخ وليس مجرد ضبط لغة المناهج. فالذاكرة حين يتم تجريدها من رموزها تتحول إلى سردية ناقصة، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي بصورة تتماشى مع الرواية الأقوى سياسياً.

 

ومن الأمثلة اللافتة التي تطرحها التقارير مسألة الخرائط، حيث يعتبر عدم ذكر اسم "إسرائيل" أو استخدام خرائط لا تعكس الحدود السياسية المعترف بها دولياً تهديداً أمنياً. لكن هذا الطرح يتجاهل أن الخرائط في المناهج الفلسطينية غالباً ما تعكس رؤية تاريخية وجغرافية للأرض، وليس مجرد موقف سياسي معاصر. وحين يطلب حذف هذه الخرائط أو تعديلها دون نقاش علمي متوازن، يصبح التعليم أداة لإعادة رسم الجغرافيا الذهنية للطلبة بما يتوافق مع تصور سياسي محدد. وينسحب الأمر ذاته على المطالبة بإزالة رموز مثل المفتاح الذي يمثل حق العودة، باعتبارها رموزاً تحمل دلالات سياسية، في حين أنها بالنسبة للفلسطينيين جزء من الذاكرة التاريخية والهوية الجماعية.

 

تتجلى أيضاً محاولة إعادة كتابة الرواية الفلسطينية في الدعوات إلى تعريفات جديدة لمفاهيم مثل النكبة والإبادة والاستعمار والمقاومة. فحين يجري استبدال هذه المفاهيم بمصطلحات أكثر حيادية أو مبهمة، يتم تفكيك اللغة التي يستخدمها الفلسطينيون لوصف تجربتهم التاريخية. ولا يتعلق الأمر فقط بالمفردات، بل بطريقة بناء السردية التعليمية نفسها، حيث يراد تقديم صورة لـ"إسرائيل" بوصفها دولة محبة للسلام، مع التقليل من الحديث عن التهويد أو السياسات الاستيطانية أو القيود المفروضة على الفلسطينيين. هذا النوع من الصياغة يؤدي إلى خلق توازن زائف بين طرفين غير متكافئين، ويعيد إنتاج خطاب يتجاهل البعد الاستعماري للصراع.

 

وفي سياق الحديث عن المعايير الدولية مثل معايير اليونسكو، يظهر التناقض بين الدعوة إلى تعليم خال من الكراهية وبين محاولة فرض رؤية سياسية محددة على المناهج. فالمطلوب ظاهرياً هو الابتعاد عن اللغة الأيديولوجية، لكن التطبيق العملي يكشف عن استهداف الرواية الفلسطينية أكثر من أي شيء آخر. فحين يمنع ذكر الفاعل في الانتهاكات ويستخدم المبني للمجهول في وصف الواقع الاستعماري، يتم تحويل الاحتلال إلى حالة مجردة بلا مسؤولية واضحة، وهو ما يضعف القدرة على فهم السياق التاريخي والسياسي بشكل نقدي.

 

ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل دور بعض الدول الأوروبية في الضغط لتغيير المناهج بحجة ضمان الحياد أو منع التحريض. غير أن هذا الضغط يعكس في كثير من الأحيان حساسية تاريخية خاصة تجاه معاداة السامية، يتم إسقاطها على السياق الفلسطيني بطريقة لا تميز بين نقد سياسات الاحتلال وبين العداء لليهود. ويظهر ذلك في الاعتراض على نصوص دينية أو تاريخية مثل الحديث عن الجهاد في الآيات القرآنية أو الإشارات إلى روايات دينية مسيحية، حيث يتم تفسيرها باعتبارها مؤشرات على خطاب كراهية رغم أنها جزء من التراث الديني والثقافي.

 

إن الصراع حول المناهج الفلسطينية يكشف في جوهره عن معركة على السيادة المعرفية وعلى من يملك حق تعريف التاريخ. فحين يتم الضغط لتغيير مضمون المناهج دون مشاركة حقيقية من المجتمع الفلسطيني، يصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج رواية مفروضة من الخارج. ولا يعني ذلك رفض تطوير المناهج أو مراجعتها علمياً، بل رفض تحويلها إلى ساحة لفرض رواية سياسية تنزع عن الفلسطينيين حقهم في تسمية واقعهم ووصف تجربتهم التاريخية بلغتهم الخاصة.

 

في النهاية، يتضح أن الحديث عن إصلاح المناهج لا ينفصل عن مشروع أوسع يسعى إلى التأثير في الوعي الجمعي الفلسطيني وإعادة تشكيله بما يتوافق مع توازنات سياسية دولية. فالمناهج ليست مجرد نصوص تعليمية، بل مساحة للصراع على الذاكرة والهوية والسيادة الثقافية. وحين يطالب البعض بتعليم محايد في واقع غير محايد، فإن ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى الحياد نفسه، هل هو حياد معرفي حقيقي يسعى إلى تعزيز التفكير النقدي، أم حياد شكلي يخفي محاولة لإعادة كتابة التاريخ على مقاس رواية أخرى. وبين هذين الاحتمالين يبقى التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين هو الحفاظ على حقهم في رواية قصتهم بلغتهم الخاصة، وفي تعليم أجيالهم تاريخهم ، وأيضاً دون تجريد قسري من الذاكرة أو من الحق في تسمية الأشياء بأسمائها.

 

على جميع الأطراف، دون استثناء، أن تدرك حقيقة راسخة لا يغيرها تبدل الخطابات ولا ضغوط السياسة، وهي أن الفلسطينيين ليسوا طارئين على هذه الأرض، بل هم جزء من تاريخها العميق الممتد قبل أن تتشكل الحدود وقبل أن تكتب الروايات المتنازعة. وجودنا هنا ليس مجرد موقف سياسي عابر، بل امتداد لحضارة وذاكرة وهوية تشكلت عبر قرون طويلة، حفظتها المدن والقرى واللغة والحكايات اليومية. لذلك فإن أي نقاش حول المستقبل أو حول الحقوق لا يمكن أن يبدأ من فراغ، وأن روايتنا ليست ادعاء، فنحن لسنا عابرين كما غيرنا، فتجربتنا الإنسانية متجذرة في المكان والتاريخ، بل من الاعتراف بأننا على هذه الأرض قبل الزمن بزمن.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...