الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:56 AM
الظهر 11:53 AM
العصر 3:03 PM
المغرب 5:34 PM
العشاء 6:50 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

اللهُ لَمْ يُعْطِ اليهودَ حَقًّا في فِلَسْطينَ لكنَّ بلفورَ فَعَلَ

الكاتب: د.محمد عودة

التاريخ المدعَّم بالآركيولوجيا يُفنِّد المزاعم التي تقول إن الأرض الفلسطينية “وُعِدت لليهود” أو أن لهم حقًا تاريخيًا حصريًا فيها، حيث إن التاريخ الموضوعي يضع النقاط على الحروف ويوضح أن هذه المزاعم لا تستند إلى واقع تاريخي مباشر. فالأرض كانت مأهولة بالسكان منذ آلاف السنين، أي قبل ظهور أي فكرة صهيونية أو وطن قومي لليهود. كنعان، المنطقة التي تُعرف اليوم بفلسطين، لم تكن فارغة، بل كانت تحت سيطرة شعوب زراعية وحضرية تمارس التجارة والزراعة وتبني المدن والحصون. أي ادعاء بأن الأرض كانت تنتظر من يملأها عبارة عن مزاعم. ومن المهم أن نذكر أن علماء الآثار الإسرائيليين أنفسهم لم يجدوا أي أثر لدولة يهودية قامت على الأرض القديمة، ما يدعم حقيقة أن أي مزاعم عن حق سياسي تاريخي حصري لليهود في كنعان هي مجرد أكاذيب رُوِّج لها لتصبح حقيقة.

وفق النصوص الدينية القديمة، يُقال إن الأرض وُعِدت لإبراهيم وذريته، لكن من المهم أن نوضح أن إبراهيم لم يكن يهوديًا، والذرية التي يتحدث عنها النص تشمل مجموعات مختلفة، أي أن أي وعد إن وُجد فهو وعد عام ولا يخص جماعة بعينها. استخدام هذه الروايات لتبرير ملكية حصرية للأرض هو تفسير سياسي استعماري غير مدعَّم بحقائق تاريخية.

في القرن السادس عشر، بدأ بعض المفكرين الأوروبيين مثل مارتن لوثر بالتحدث عن عودة اليهود إلى “أرض الميعاد”، لكنها كانت أفكارًا دينية رمزية مرتبطة بالنبوءات المسيحية، ولم تكن مشروعًا سياسيًا عمليًا.

في القرن السابع عشر، حدثت بعض المحطات المهمة. سمح أوليفر كرومويل لليهود بالعودة إلى إنجلترا بعد قرون من الطرد، وهو حدث رمزي مهم لأنه أظهر تغير الموقف الأوروبي تجاه اليهود. القرار ارتبط بسداد ديون كان كرومويل قد استلفها من اليهود، ومن ضمن السداد وعد لليهودي يوسي منسي بمنحه أرضًا في فلسطين. في نفس القرن، بدأ بعض رجال الدين الأوروبيين يربطون بين اليهودية وفكرة “أرض الميعاد” كجزء من النبوءات المسيحية، مؤكدين أن عودة اليهود إلى فلسطين يجب أن تسبق ظهور المسيح الثاني، لكنها كانت فكرة رمزية دينية أسست لفكرة سياسية استعمارية.

لقد ناقش نابليون بونابرت في القرن الثامن عشر فكرة إمكانية إقامة سلطة يهودية محمية في فلسطين لأسباب استراتيجية وسياسية، ما يظهر أن اهتمام الأوروبيين بفلسطين كان ضمن السياسة الاستعمارية، وليس وعدًا تاريخيًا أو دينيًا. فلسطين في ذلك الوقت كانت مأهولة بالسكان الفلسطينيين الكنعانيين، وكانت جزءًا من الدولة العثمانية، لذلك فإن أي فكرة عن “إعطاء الأرض لليهود” كانت مجرد افتراض سياسي غير مرتبط بأي حق تاريخي.

في أواخر القرن التاسع عشر، عقد تيودور هيرتزل مؤتمر بازل وأسّس الصهيونية الحديثة، مع برنامج واضح لإنشاء وطن قومي لليهود، وكانت فلسطين أحد الخيارات، وقد رُجِّحت الكفة لفلسطين استنادًا إلى النصوص الدينية غير المؤكدة لتبرير هذا المشروع. الأوروبيون دعموا المشروع سياسيًا ودبلوماسيًا، مستغلين المزاعم الدينية والرمزية لأغراض الهجرة والاستيطان، بينما السكان الأصليون الفلسطينيون استمروا في العيش على الأرض وممارسة حياتهم الطبيعية.

في عام 1907 صدرت وثيقة كامبل بنرمان التي مهدت للوعد الذي مكَّن الحركة الصهيونية، وبدعم استعماري خاصة بريطاني، من أجل تجسيد ذلك الوعد المشؤوم الذي صدر عن السير آرثر بلفور، وزير خارجية بريطانيا، في الثاني من نوفمبر عام 1917، وعدًا منح اليهود الحق بإقامة وطن قومي في فلسطين، متجاهلًا حقوق الفلسطينيين الأصليين الذين عاشوا على الأرض منذ آلاف السنين.

ومن أجل إنجاز المشروع، طُرحت فكرة وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، مما أسهم في تسهيل الهجرة اليهودية ووفّر للعصابات الصهيونية السلاح والمناخ لإنجاز المشروع، ولذلك جُرِّد الفلسطينيون من أي إمكانيات للمقاومة، ما خلق واقعًا سياسيًا جديدًا بعيدًا عن أي نصوص دينية. كانت بريطانيا خلال فترة الانتداب قد هيأت الظروف من أجل استصدار قرار تقسيم فلسطين، حيث استجابت الجمعية العامة وأصدرت القرار 181 في عام 1947 الذي قسم الأرض إلى دولتين لتبرير إقامة دولة إسرائيل، مع تجاهل حقوق السكان الأصليين. إعلان قيام إسرائيل عام 1948 واتفاقات الهدنة أعادت رسم الحدود لتفرغ 181 من مضمونه، مما أفضى إلى تهجُّر مئات الآلاف من الفلسطينيين، مؤكدًا أن الأرض الواقعية كانت مأهولة وأن الحق السياسي للأرض هو لمن يعيش فيها فعليًا، وليس لمن يفسر النصوص الدينية بطريقة سياسية.

جاء احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967 ليعيد رسم الحدود مرة أخرى ويثبت السيطرة الإسرائيلية على الأراضي، فالمزاعم عن “حق تاريخي” كانت مستندة إلى تفسيرات سياسية صهيو-استعمارية لا أساس لها من الصحة في الواقع التاريخي الذي شهد سكانًا فلسطينيين أصليين منذ عشرات آلاف السنين.

جاءت اتفاقيات كامب ديفيد، وبعدها أوسلو، وعلى قاعدة الحدود المتغيرة والمرتبطة بالتفاوض، لتعطي الفلسطينيين ولو شكليًا بعض الحقوق السياسية، لكنها لم تُعِد الأرض ولم تضع حدًا لمشروع إسرائيل على الأرض عبر إنهاء الاحتلال.

أما صفقة القرن ومبادرات مجلس السلام اللتان طرحهما ترامب كأسلوب جديد لتجسيد المزاعم الصهيونية واستخدام هذه المزاعم كأداة سياسية لإعادة صياغة مستقبل الأرض بعيدًا عن الحقائق الواقعية، فكانت في محاولة لخلق وتجسيد شرعية مزيفة لمشروع استعماري حديث.

الحقائق الموضوعية واضحة ولا تقبل الشك: الأرض كانت وما زالت مأهولة بالسكان الأصليين منذ عشرات آلاف السنين، النصوص الدينية رمزية، ولا تمنح ملكية سياسية حصرية لأي جماعة. أي تفسير حديث يخصص الأرض لليهود هو مشروع سياسي تبلور بشكل جدي في القرن التاسع عشر مع نشوء الصهيونية الأوروبية، وليس وعدًا إلهيًا أو حقًا تاريخيًا بالمعنى السياسي العصري. المنطق والتاريخ يؤكدان أن الحق التاريخي والسياسي للأرض يبقى للسكان الذين عاشوا عليها فعليًا، أي الفلسطينيين الأصليين، وليس لأولئك الذين اعتمدوا على تفسير رمزي ديني بعد آلاف السنين.

حيث إن المزاعم التي تقول إن الأرض الفلسطينية “وُعِدت لليهود” لا تستند إلى أي واقع تاريخي. أي مشروع سياسي قائم على هذه المزاعم هو إعادة صياغة بشرية حديثة استغلت النصوص الدينية الرمزية، بينما الحقيقة واضحة: الأرض كانت وما زالت مأهولة بالسكان الأصليين، وأي حق سياسي يجب أن يُبنى على الواقع التاريخي، وليس على تفسيرات رمزية قديمة أو مصالح سياسية حديثة. الحقيقة التاريخية والسياسية تقول إن الأرض، على مدى آلاف السنين، كانت دائمًا ملكًا لمن يعيش فيها ويمارس حياته عليها، وليس لمن يدعي حقًا مستندًا إلى رموز أو نصوص يمكن تفسيرها لاحقًا.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...