حرب الانتخابات المزدوجة
الكاتب: عبد المجيد سويلم
الحرب التي يعدّون لها ويحشدون لها، ويصوّرون لنا أنها باتت «أمراً مقضيّاً»، بل ويتبجّحون بأنهم يبدون حيالها كلّ «كرم أخلاقهم» بأنها قد تأخّرت حتى الآن، ويسوّقونها وكأنها الحرب المؤجّلة حتى استنفاد آخر فرصة ممكنة لها، ليست في واقع الأمر سوى الحرب التي يخشونها أكثر من أيّ شيء في هذا الكون كلّه.
لو كان أمر هذه الحرب محسوماً في تصوّراتهم ومخطّطاتهم إلى هذه الدرجة التي يتحدّثون عنها لكانت الدولة الإيرانية، والنظام السياسي الإيراني، والمقدّرات المادية والعسكرية فيها في خبر كان منذ أمدٍ بعيد، ولكانت أميركا ودولة الاحتلال قد أجهزتا معاً على كل ما تبقّى من معارض، وممانع، ومقاوم في كل بقعةٍ من هذا الإقليم، دون تردّد، ودون تأخير أو تأجيل، ولو لدقيقة واحدة.
ومن يعتقد عكس ذلك فليس هو في الواقع مجرّد واهم أو موهوم، أو مخدوع ومضلّل، وإنّما هو قبل ذلك كلّه ساذج وغائب عن وعي «السياسة» في أشدّ بديهيّاتها وضوحاً.
إذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك فعلاً، فإنه وبغياب كل منطق في فهم وتفسير البهلوانية السياسية التي تبدو عليها السياسة الأميركية نحتاج من ناحيتنا إلى أعلى درجات المنطق في استقراء هذا الواقع البهلواني الذي يتّصف بالسريالية، وباللاسويّة، وبالانفلات.
علينا هنا أن نجد التفسير الخاص لمفهومَي الانكفاء والهيمنة في عقلية «الترامبية» في نسختها المأزومة.
مفهوم الانكفاء نحو النصف الغربي من الكرة الأرضية يتلازم مع مفهوم القوة والهيمنة، وليس بمعزلٍ عنها، وهو مفهوم قائم على النهج الهجومي، وليس على المفهوم الدفاعي أو الانسحابي كما يحلو للبعض تصويره.
وهو مفهوم قائم على الصراع، وليس على الشراكة، أو حتى المزاحمة والتنافسية، والأهم أن منطق القوّة، وفرض الشروط بهذه القوّة، وبأقصى درجة ممكنة منها هو المنطق الوحيد السائد هنا.
وتتجلّى هذه المعادلة في العلاقات الجديدة التي تحاول أن تُرسيها بقدر ما تتوفّر الموازين التي تسمح بها من على قاعدة الهيمنة، وليس من على أي قاعدة أخرى.
وبهذا المعنى بالذات، فإن مفهوم الانكفاء ليس سوى بُعد تنظيمي لإعادة تحسين وترتيب وتنسيق عمليات متكاملة من تحشيد شروط الهيمنة.
في منطقة الإقليم تبدو كل هذه المعطيات والمؤشّرات الأرضية الأكثر خصباً لتطبيق هذه المعادلة من الانكفاء والهيمنة. وآليات هذه الإستراتيجية تبدو وتتجلّى بأوضح صورها، وأكثرها أهمية.
وتبدو إيران في هذه المشهدية بالذات نقطة تكثيف فريدة، وربما وحيدة بالمقارنة مع مناطق أخرى كثيرة من هذا العالم.
هنا نتحدث عن مصادر الطاقة، والأسواق، و»الفوائض» المالية، وعن خطوط التجارة الدولية، والممرّات البحرية، ونتحدث عن موقع ودور ومكانة الدولة العبرية، وعن عقدة التقاء المصالح والتحالفات، وأحلاف وتجمّعات، وعن «طريق الحرير»، وعن القوقاز، ومصالح روسية وصينية على أعلى درجات الأهمية الإستراتيجية للجانب الدقيق من معادلة التوازن الدولي في الواقع الراهن.
فإذا كانت أوروبا كلّها، وبكامل «عظمتها»، بالكاد رفضت مفهوم الهيمنة الأميركية على جزيرة غرينلاند، وبمواربة وعلى استحياء أحياناً، فكيف لدولة مثل إيران أن تقول «لا»؟ وكيف لها أن تظهر أمام العالم وكأنها في غاية التصميم على المجابهة إذا ما فُرض عليها؟ وكيف لإيران أن تهدِّد كما تهدَّد؟ وكيف لها أن تتحدّى كما تتحدّى؟
فهل تتصوّرون معي أن دولة كأميركا، تحت هذه القيادة بالذات، وعقلية ودولة كالدولة الصهيونية يمكن أن تتردّد ولو للحظة واحدة في ضرب إيران لو كانت شروط فرض الهيمنة متوفّرة، وإمكانية التخلّص منها قائمة وقابلة للتحقيق؟
الجواب البديهي هو أن المسألة، وما فيها ليست سوى مسألة حسابات الخوف من الفشل، أو الانجرار إلى حربٍ لا يمكن حسمها أو الانتصار فيها إلّا بالذهاب إلى المقامرة النووية، وهي مقامرة تبدو كارثية على طرفَي معادلة المجابهة.
والحرب بهذا المعنى ما كانت لتكون مطروحة على جدول أعمال الإقليم لو أن ملفاً واحداً قد حُسِم بصورة نهائية في كامل الإقليم، ولولا أن دولة الاحتلال تعي وتيقن أن التوقف هنا هو إعلان بأنها قد أجرمت وتوحّشت وحرقت كل أوراقها في محاولة «الحسم» دون جدوى، وأنها بالذهاب إلى «تسوية» من أيّ نوع كانت دون هذا «الحسم» تكون قد خسرت كل شيء مقابل لا شيء من حيث الأهداف، ومن حيث الدور والمكانة، ومن حيث الحاضر والمستقبل كلّه.
الحرب على جدول أعمال الإقليم بالضرورة الصهيونية، وبالضرورة «الترامبية»، والحرب على جدول أعمال الإقليم بضرورة التوازن الدولي، وبضرورة المعادلة الداخلية الأميركية والصهيوإسرائيلية، هذه ليست هي المسألة.
المسألة متى؟ وبأي توقيت؟ ولأيّ اعتبارات تخصّ نتنياهو من جهة، وترامب من جهة أخرى، حتى لو تأخّرت الحرب، أو تمّ تأجيلها، وحتى لو تمّ «الاتفاق» بين أميركا وإيران على الملفّ النووي، وعلى ملفٍ اقتصادي دسِم وكبير، وحتى لو كان هذا الأخير على أعلى درجات «الإغراء» للطغمة المالية والعقارية التي تقبع في البيت الأبيض.
هذه الحرب يلزمها عدّة عناصر تبدو أنها لم تتوفّر بعد:
الأوّل، هو عنصر الخداع والمباغتة. هذا العنصر بالمعنى التقليدي لم يعد قائماً، ولكنه ما زال قائماً وبقوّة من زاوية الأسلحة التي يمكن اللجوء إليها، بما في ذلك السلاح النووي على هذه الشاكلة أو تلك، وبهذا القدر أو ذاك.
إذا غاب هذا العنصر عن مسرح العمليات، أو تمّ استبعاده عن مسرح العمليات، فإنّ الذهاب إلى الحرب مسألة محفوفة بالمخاطر الكبيرة.
الثاني، غياب العامل الداخلي الإيراني، وهو عنصر كاد يتلاشى مع نتائج الاضطرابات الأخيرة، ولم يعد قائماً كعنصر يمكن الاعتماد عليه بعد 19 كانون الثاني الماضي، إلّا إذا كان يتوفّر لأميركا، ولدولة الاحتلال معطيات ملموسة وجديدة، ومن داخل المؤسّسة العسكرية والأمنية، وحتى السياسية الإيرانية، وهو أمر مشكوك فيه حتى الآن.
الثالث، هو أن الحرب لا تحتمل مفاجآت كبيرة قد تكون إيران أعدّتها ومن شأنها أن تغيّر في مسار الحرب كلّها.
الرابع والأخير، والأهم هو: كيف سيكون عليه تأثير هذه الحرب على الانتخابات القادمة في الحالتين الأميركية والإسرائيلية؟
هنا لديّ الاجتهاد التالي:
هذه الحرب إذا تمّ خوضها تكون قد خيضت بإدارة الظهر بالكامل لكل ما يُقال حول القانون الدولي، ولكل ما هو قائم من حُطام القواعد الدولية، والمؤسّسات الدولية، وفي ظل نظام متكامل من «خصخصة» الدولة لحساب طُغم مالية وعقارية ومراكز للنفوذ والسطوة في كلا الدولتين، ولذلك فإن المصالح الانتخابية هي التي في جوهر الأهداف، وفي صميمها، وهي بالتالي ــ «أي الحرب» ــ إما ستُخاض من أجل تأمين النجاح في الانتخابات ــ وهو أمر مشكوك به تماماً في الحالتين ــ بالنظر إلى مخاطر النتائج، وإما أن هذه الحرب ستُخاض على كل حال بهدف إعلان حالة الطوارئ في الحالتين بهدف تفادي السقوط جرّاء خوضها.
وما تتمّ «مناقشته» بين الطرفين، الأميركي والإسرائيلي هو: كيف نضمن عدم الفشل؟ وكيف نمنع الذهاب إلى الانتخابات في حال كان هذا الفشل مرجّحاً، أو حتى محتملاً؟

