نهاية سايكس - بيكو: تحولات الحرب وتآكل الهيمنة الأمريكية
الكاتب: نبهان خريشة
ثمة لحظات تاريخية لا تقاس بحجم المعارك وحدها، بل بعمق التحولات التي تطلقها. وما يجري اليوم في الإقليم قد لا يكون مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل منعطفا استراتيجيا يعيد رسم خرائط النفوذ ويُسرع نهاية ترتيبات سياسية تعود جذورها إلى اتفاقية اتفاقية سايكس بيكو. الفكرة هنا ليست أن الحدود ستتغير غدا صباحا، بل أن البنية التي قامت عليها توازنات ما بعد الحرب العالمية الأولى تتآكل تحت ضغط الوقائع الجديدة.
الطرح الذي يزداد تداولا في دوائر التحليل الاستراتيجي هو أننا نشهد نهاية مرحلة الهيمنة الأحادية، وأن الإقليم يتجه إلى مسار مختلف كليا. فالأنظمة العائلية في الخليج، التي عاشت طويلا تحت مظلة الحماية الأمريكية، قد تجد نفسها أمام اختبار وجودي إن تبدلت موازين الردع. ليس بالضرورة سقوطا فوريا، لكن تغيرا في الشكل والدور وطبيعة العلاقة مع القوى الكبرى. البقاء "بالصيغة الحالية" لم يعد مضمونا إذا ما تراجعت قدرة واشنطن على فرض إرادتها أو توفير مظلة أمنية غير قابلة للاختراق.
اقتصاديا، تبدو الكلفة مرشحة لأن تكون طويلة الأمد. فالهزات التي أصابت أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والعملة الأمريكية لن تتلاشى سريعاً. الهند على سبيل المثال عادت إلى شراء النفط الروسي انسجاماً مع مصالحها الوطنية، وهو خيار يعكس براغماتية باردة في عالم لم يعد ينصاع بسهولة لسياسات العقوبات أو الضغوط. في مثل هذا السياق، يفقد الدولار بعضا من "سرعته وارتفاعه"، وتبدأ الثقة العالمية به بالتآكل التدريجي، لا كحدث درامي مفاجئ بل كمسار تراكمي يضعف امتيازاته التاريخية.
المفارقة أن الولايات المتحدة هي من رفعت سقف التوقعات. لسنوات، روجت واشنطن لصورة القوة العسكرية التي ترهب العالم، وقدمت نفسها بوصفها الضامن المطلق للأمن والاستقرار. لكن حين تتحول الصورة إلى اختبار فعلي، يصبح الأداء الميداني محكوما بمعيار التوقعات المرتفعة. العالم الذي "كان يفترض أن يرتجف" ينتظر الآن نتائج ملموسة. وفي حال تعثر الإنجاز السريع فإن صورة الردع تتصدع، ليس فقط أمام الخصوم بل أمام الحلفاء أيضاً.
في المقابل، تبدو معادلة إيران أكثر بساطة: ليس مطلوباً منها أن تنتصر عسكرياً بالمعنى الكلاسيكي، بل أن تصمد. في حروب الاستنزاف، يتحول عامل الزمن إلى سلاح. كلما طال أمد المواجهة من دون حسم، بدا الطرف الذي وعد بالنصر السريع أضعف، بينما يكتسب الطرف الصامد نقاطا سياسية ومعنوية. الصمود هنا يعاد تعريفه بوصفه شكلا من أشكال الانتصار الرمزي والاستراتيجي. لا مؤشرات على أن طهران ستسارع إلى طلب تسوية بشروط خصومها؛ بل إن رهانها الأساسي يقوم على امتصاص الضربات وإطالة أمد المواجهة.
أحد أوجه الإرباك يتمثل في الأداء الدفاعي الإسرائيلي، ولا سيما منظومة القبة الحديدية التي طالما تم تقديمها بوصفها درعا شبه مطلق. غير أن التطور التقني في الصواريخ الإيرانية، بما في ذلك استخدام الطعوم والرؤوس المتعددة، أظهر ثغرات غير متوقعة. حين تنشغل أنظمة الدفاع باعتراض أهداف وهمية فيما يخترق الهدف الحقيقي، فإن معادلة الردع تتعرض لاهتزاز حقيقي. هذا لا يعني انهيارا كاملا، لكنه يطرح أسئلة جدية حول التفوق التكنولوجي المفترض، ويُظهر أن سباق التسلح لم يعد حكرا على طرف واحد.
اللافت أن صورة مختلفة تماما تُعرض في الإعلام الغربي، حيث تُبرز النجاحات وتُهمش الإخفاقات، في إعادة إنتاج لرواية التفوق والسيطرة. غير أن بقية العالم، المتصل بشبكات إعلامية متعددة المصادر، لم يعد يتلقى رواية واحدة. التباين بين الصورة الإعلامية والوقائع الميدانية يفاقم فجوة الثقة، ويجعل من "الحرب على الرواية" ساحة موازية لا تقل أهمية عن ساحة الصواريخ.
تتصاعد مؤشرات الرفض الشعبي والرسمي للوجود العسكري الأمريكي إقليمياً، خاصة في العراق. فالأصوات المطالبة بإنهاء هذا الوجود ليست جديدة، لكنها تكتسب زخما كلما بدا أن الوجود ذاته يجلب مخاطر أكثر مما يوفر حماية. وإذا ما اتسعت رقعة الاستهداف أو ارتفعت الكلفة السياسية، فقد تجد واشنطن نفسها مضطرة لإعادة تموضع واسع، ليس خياراً بل اضطرارا. وفي حال انسحابها من نقاط استراتيجية قريبة من موانئ ومطارات الخليج، فإن مشهد النفوذ سيتغير جذريا.
إنها معادلة معقدة: حرب قد لا تُحسم عسكرياً سريعاً، لكنها تُحدث تآكلا بطيئا في بنية الهيمنة. اقتصاد يواجه ضغوطاً تضخمية ومالية متراكمة، عملة تفقد بعضا من امتيازها الاحتكاري، حلفاء يعيدون حساباتهم، وخصم يكتفي بالصمود ليحصد مكاسب استراتيجية. في مثل هذه الظروف، لا تكون الهزيمة حدثا دراميا مفاجئا، بل مساراً تراكمياً من فقدان المكانة والقدرة على الإملاء.
السؤال الجوهري ليس: من سيربح هذه الجولة؟ بل: أي نظام إقليمي سيولد بعدها؟ إذا كانت خرائط النفوذ قد رُسمت قبل قرن تقريباً في غرف مغلقة، فإن خرائط اليوم تُرسم على وقع صواريخ دقيقة، وأسواق طاقة مضطربة، وعملات تتراجع، وشعوب تعيد تعريف أولوياتها. وربما يكون العنوان الأبرز لهذه المرحلة هو انتقال العالم من زمن الهيمنة الأحادية إلى زمن التعددية القلقة، حيث لا يكفي أن تملك القوة، بل أن تثبت قدرتك على استخدامها بكفاءة، وأن تتحمل كلفتها من دون أن تنهار صورتك أو اقتصادك.
في هذا السياق قد لا يكون الحديث عن "نهاية سايكس – بيكو" توصيفا حرفيا بقدر ما هو استعارة لنهاية مرحلة كاملة من السيطرة غير المتنازع عليها. فالحروب لا تعيد رسم الحدود فحسب، بل تعيد ترتيب موازين الهيبة والردع والشرعية. وإذا كان الصمود كافيا لقلب المعادلة، فإن المنطقة تقف أمام فصل جديد، عنوانه: من يصمد أكثر، يفرض شروط المرحلة التالية.

