قراءة في مسارات تجنب حرب إستنزاف مع إيران
الكاتب: نبهان خريشة
تتزايد في الآونة الأخيرة مؤشرات سياسية وعسكرية توحي بأن الصراع المباشر بين المثلث الإسرائيلي الأمريكي والإيراني قد يقترب من محطة فاصلة، حيث يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية وضع الحرب أوزارها في ظل تعقيدات الجغرافيا والتاريخ. إن التصريحات الصادرة عن مسؤولين في واشنطن وتل أبيب بدأت تميل نحو البحث عن مسارات خروج تضمن صورة النصر دون الانزلاق في استنزاف لا ينتهي. لكن المعضلة الحقيقية تكمن في الجانب المقابل، فهل ستتوقف طهران عن استهداف المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية ومواقع العمق الإسرائيلي، خاصة وأن فكرة الانتقام باتت جزءا أصيلا من الهوية السياسية والعسكرية الإيرانية التي ترى في تصفية الرموز الروحية والعسكرية جرحا قوميا لا يندمل إلا برد فعل يوازي حجم الفاجعة.
إن القوة الإيرانية لا تستند فقط إلى الترسانة الصاروخية، بل تعتمد في جوهرها على تجربة تاريخية قاسية خاضتها ضد العراق لثماني سنوات، وهي الفترة التي منحت الدولة قدرة استثنائية على التكيف مع الحروب الطويلة والمستنزفة. تمتلك إيران جغرافيا شاسعة وتضاريس معقدة تجعل من أي غزو بري أو عمل عسكري شامل مقامرة غير محسوبة النتائج، وهو ما يدركه المخطط الغربي جيدا عند مراجعة موازين القوى. وبالإضافة إلى العوامل المادية، نجحت طهران في مزج الشعور القومي الفارسي التاريخي بالعقيدة الدينية الشيعية المشبعة بمظلوميات تاريخية تمتد لأكثر من ألف وأربعمائة عام، مما خلق حالة من التعبئة الشعبية التي ترى في الصمود أمام القوى الأجنبية واجبا وجوديا ومقدسا يتجاوز حدود الحسابات السياسية الضيقة.
على الجانب الآخر، بدأت السردية الإسرائيلية الرسمية التي كان يتزعمها بنيامين نتنياهو حول حتمية النصر المطلق وتفكيك النظام الإيراني تتعرض لانتقادات حادة من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. يطرح الخبراء العسكريون اليوم رؤية مغايرة تتشكك في جدوى الاستمرار في حرب لا يبدو لها أفق سياسي واضح، حيث يرون أن الإنجازات التي يتم الترويج لها قد تكون تكتيكية لكنها تفتقر إلى العمق الاستراتيجي. هذا التحول في الخطاب الإسرائيلي الداخلي يتقاطع مع رغبة أمريكية متزايدة في تقليص التزاماتها العسكرية المباشرة، وتجنب التورط في حرب إقليمية كبرى قد تؤدي إلى انهيار اقتصادي عالمي بدأت ملامحه بالظهور، مما يدفع صانع القرار للبحث عن بدائل أقل كلفة.
وتأتي تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب لتضيف طبقة من الغموض والتعقيد على المشهد، ففي حين أشار في مناسبات معينة إلى أن الحرب قد انتهت عمليا وأن الخصم فقد قدراته البحرية والجوية واتصالاته، عاد ليتحدث في سياقات أخرى بلهجة توحي بوجود جدول زمني متسارع. يرى المحللون أن هذا التناقض ليس مجرد زلة لسان، بل هو تكتيك يهدف إلى إيجاد مخرج يحفظ ماء الوجه للولايات المتحدة التي تخوض في الواقع حربا بالوكالة عن إسرائيل. إن محاولة ترامب تصوير الخصم بمظهر الضعيف والمنتهي عسكريا هي خطوة تمهيدية لشرعنة وقف العمليات القتالية، وذلك للحد من الاستنزاف الاقتصادي الهائل الذي يثقل كاهل الميزانية الأمريكية ويؤثر على الأسواق العالمية بشكل مباشر.
إن ما نقلته وسائل إعلام دولية عن مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى حول إمكانية البحث عن "مسار خروج" يؤكد أن هناك قناعة بدأت تتبلور بصعوبة إسقاط النظام الإيراني من خلال الآلة العسكرية وحدها. هذا التراجع عن سقف الطموحات العالية يشير إلى بداية النزول عن شجرة المطالب القصوى، والقبول بحلول وسط تضمن تحييد التهديدات النووية دون الدخول في دوامة تغيير الأنظمة التي أثبتت فشلها في تجارب إقليمية سابقة. التصريحات التي توحي بنهاية الحرب تعكس رغبة في احتواء الصراع وتجميده عند نقطة معينة تسمح لكافة الأطراف بادعاء النصر أمام شعوبها، مع الحفاظ على توازنات القوة القائمة دون تغيير جذري قد يؤدي إلى فوضى غير مسيطر عليها.
ضمن السيناريوهات المحتملة التي تلوح في الأفق، قد تلجأ واشنطن إلى إعلان نصر أحادي الجانب بعد توجيه ضربة مركزة لما تعتبره مراكز الثقل في البرنامج النووي أو العسكري الإيراني. إن استدعاء القاذفات الثقيلة ذات القوة التدميرية الهائلة إلى مسرح العمليات يعزز فرضية القيام بعمل عسكري خاطف يهدف إلى تحقيق هدف رمزي ومادي كبير، يتبعه خطاب سياسي يعلن أن المهمة قد أنجزت. في هذا السيناريو، سيخرج ترامب ليقول للعالم وللشعب الإيراني إن النظام قد ضعف ولم يعد يشكل خطرا وجوديا، وأن الكرة الآن في ملعب الداخل الإيراني لتحديد مصيره، وهي محاولة واضحة لرمي الكرة في ملعب الصراعات الداخلية والهروب من تبعات حرب استنزاف.
لكن السؤال الذي يظل عالقا دون إجابة شافية هو موقف القيادة الإيرانية من هذه التطورات، خاصة وأن عقيدة الردع لديها تقوم على مبدأ العين بالعين. إن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة قد لا يتوقف بمجرد إعلان واشنطن نهاية الحرب، بل قد يزداد ضراوة إذا شعرت طهران أن كرامتها الوطنية والروحية قد أهينت. إن العمق التاريخي للشعور بالثأر لمقتل قادة بارزين يمثلون قمة الهرم السياسي والعسكري يمثل محركا قويا لا يمكن التنبؤ بمدى تأثيره على قرارات الميدان. فالحرب في المنظور الإيراني ليست مجرد تبادل لإطلاق النار، بل هي صراع إرادات طويل الأمد يعتمد على الصبر والنفس الطويل الذي تبرع فيه الثقافة السياسية الإيرانية عبر العصور.
إن التقديرات الأمريكية التي تتحدث عن تقدم بفارق كبير عن الجدول الزمني الأصلي قد تكون محاولة لتجميل الواقع المرير الذي يفرضه الميدان، حيث تظهر المقاومة الإقليمية قدرة على امتصاص الضربات وإعادة التنظيم. التحذيرات التي يطلقها الخبراء من استنزاف الموارد الأمريكية تشير إلى أن الاستمرار في هذا النهج قد يؤدي إلى تآكل الهيمنة العالمية لواشنطن، وهو ما يجعل خيار "النصر المعلن" والمغادرة السريعة هو الأكثر جاذبية للرئيس ترامب. ومع ذلك، فإن الطبيعة المعقدة للتحالفات في المنطقة تجعل من الصعب فك الارتباط دون تقديم ضمانات أمنية كافية لإسرائيل، التي ترى في أي انسحاب أمريكي أو تهدئة غير مكتملة فرصة لطهران لاستعادة قوتها وبناء ترسانتها من جديد.
يبدو أن المنطقة تقف على حافة تحول استراتيجي كبير تقوده رغبة القوى الكبرى في تقليل الخسائر وتغيير قواعد الاشتباك. إن التصريحات المتناقضة والتحركات العسكرية الضخمة هي أدوات في صراع إرادات يهدف إلى الوصول لصفقة كبرى أو انسحاب تكتيكي ينهي حالة الحرب المفتوحة. لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب في الشرق الأوسط لا تنتهي دائما بقرارات سياسية، طالما أن جذور الصراع والثأر والمظلومية لا تزال حية في وجدان الشعوب. ستظل الأيام القادمة كفيلة بكشف ما إذا كانت طهران ستقبل بقواعد اللعبة الجديدة، أم أنها ستستمر في استنزاف خصومها حتى تحقق معادلة الردع التي تنشدها، بعيدا عن أي إعلانات انتصار أحادية الجانب قد تصدر من واشنطن.

