الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:26 AM
الظهر 11:48 AM
العصر 3:13 PM
المغرب 5:54 PM
العشاء 7:09 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حين تُظلِّل الشائعة وجه الحقيقة… نصبح جميعاً ضحايا الضجيج

الكاتب: الناطق الاعلامي باسم وزارة الداخلية محمد عطاالله التميمي

وأنا أُقلِّب صفحات ومواقع التواصل يمينها ويسارها، اصطدمتُ بمقولةٍ للكاتب والروائي صامويل لانغهورن كليمنس، المعروف أدبيًا باسم مارك توين، والملقَّب بـ«أبو الأدب الأمريكي»، حيث قال منذ ما يقارب المائتي عام: «يمكن للكذبة أن تدور حول العالم، بينما الحقيقة ما تزال ترتدي حذاءها».

مقولةٌ آن أوان استحضارها اليوم في ظل عصر الحداثة والتكنولوجيا والرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي؛ في عصرٍ لم تعد تُعصَر فيه الأدمغة لصناعة منتجٍ أدبيٍّ يتباهى به صاحبه وينافس غيره في إنتاج ما هو أكثر كفاءةً وأوسع تأثيرًا بين الناس، بل أصبح من اليسير على أيّ كان أن يُنتج بضاعته، ويُروِّج لها، بل ويبيعها في سوقٍ لا يميّز مرتادوه بين ما هو حقيقي وما هو وهم، وبين ما ينفع وما يضر، وما يبني المجتمعات وما يزعزع نفوس أبنائها.

ولعل أكثر اللحظات حرجًا على الشعوب والمجتمعات هي الأوقات التي يصبح الصدام حتميًا مع مهددات الاستقرار والسلم الأهلي، فلا تُختزل المعارك بشكلها التقليدي وأدواتها المعروفة، بل تمتد لتستهدف العقول والمشاعر والوعي الجمعي، وفي هذا المخاض تولد الشائعة ولادة طبيعية هادئة، ثم تتسلل كهمس عابر سرعان ما يتحول إلى موجة ضجيج خطيرة قادرة على إرباك المجتمع وبثّ الخوف في أركانه، ففي الوقت الذي يبحث الناس عن الطمأنينة يجدون أنفسهم محاصرين بسيلٍ من الأكاذيب والشائعات والمعلومات المتضاربة التي تطمس الحقيقة وتزيد من وطأة الأزمة ومخاطرها.

إن أخطر ما في الشائعة ليس مضمونها الكاذب، بل قدرتها على ارتداء ثوب الحقيقة وتقمص دور الفضيلة، وهنا يفتح الناس أبوابهم مشرعة لهذا الزائر الخبيث الذي يدخل كل منزل دون استئذان، بل ويقتحم العقول والقلوب، فيصبح كائناً طفيليًا يعتاش وينمو ويترعرع على مواقف الأفراد المرتبكة، والقرارات المبنية على الخوف والتوتر وسوء الفهم، لا على المعرفة واليقين.

في هذه المرحلة الحرجة والحساسة، تبرز أهمية الوعي لا كقيمة فردية وحسب، بل يتعاظم ليصبح مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن أي جهد ميداني أو مؤسسي منظم، فكل فرد يمتلك أداة تواصل كجهازه المحمول أو حاسوبه الشخصي، يمتلك في الوقت ذاته القدرة على أن يكون سببًا في انتشار المشكلة وتطورها، أو سببًا في احتوائها وعلاجها. إن التحقق من المعلومات واستقاء الأخبار من مصادرها الرسمية والتريث قبل نشرها وتداولها، والتمييز بين الآراء الشخصية والمعلومات الصحيحة، لهي ممارسات ضرورية لحماية استقرار المجتمع وضمان صموده.

وبطبيعة الحال، فإن ذلك لا يعني التقليل من حق الناس في الحصول على المعلومات وإبداء الرأي بشأنها، بل على العكس تمامًا، ففي ذلك تعزيز لحق الجميع في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والواضحة التي تبني الثقة وتصلب جسور الاطمئنان بين المواطن ومحيطه، ومن هنا، فإن البحث عن الحقيقة ينبغي أن يتحول إلى ثقافة يومية تضمن ألا يصبح المواطن ضحية لحاقد هنا أو متربص هناك.

إن مواجهة الشائعات لا تتطلب أدوات معقدة بقدر ما تحتاج إلى وعيٍ يقظ وإرادةٍ مسؤولة، فحين يدرك المجتمع أن الكلمة قد تُحدث أثرًا قد يشبه أثر الحدث نفسه أو يزيد، يصبح أكثر قدرة على حماية نفسه من الأكاذيب المضللة، وقتذاك، تتراجع مساحة الضجيج، ويضحي صوت الحقيقة أكثر وضوحًا وقوة، ليؤكد أن الوعي هو خط الدفاع الأول في كل الأوقات، وخاصة في اللحظات التي تختلط فيها الوقائع بالمخاوف.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...