الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:12 AM
الظهر 12:45 PM
العصر 4:14 PM
المغرب 7:01 PM
العشاء 8:17 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

سيناريوهات الحرب والمصير الفلسطيني

الكاتب: جمال زقوت

لم تعد الحرب الإقليمية الممتدة من واشنطن وتل أبيب على طهران مجرد مواجهة عابرة أو صراع تقليدي، بل تحوّلت إلى صراع متعدد الأبعاد يعيد تشكيل السياسة الإقليمية، ويضغط مباشرة على المصير الوطني الفلسطيني. فبينما ينشغل العالم بهذه الحرب، يُخنق أين أهلنا في قطاع، الذي ما زال يعيش الإبادة الجماعية، فيما تستثمر إسرائيل عامل الزمن لتثبيت وقائع أمنية واستيطانية لتنفيذ مخططاتها، التي لا تستهدف المصير الوطني فحسب، بل تمتد لتطال سبل الحياة اليومية لشعبنا في القطاع والضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، عبر فرض وقائع واسعة النطاق على الأرض، دون رادع إقليمي أو دولي فعّال.

غزة: مختبر الانهيار بين الإبادة والشلل السياسي

في هذا السياق، باتت غزة مختبرًا لمدى الأزمة الأخلاقية والسياسية والإنسانية. فما يجري فيها هو تدمير ممنهج للبنية الاجتماعية والحياتية، في وقت تبدو فيه اللجنة الفلسطينية المكلّفة بإدارة غزة كإمتداد لما يسمى ب" مجلس ترامب للسلام" مشلولة، ليس فقط بفعل تعقيدات الميدان، بل نتيجة غياب لصلاحيات واضحة لها، وغياب بيئة سياسية ووطنية حاضنة لعملها، وارتهان دورها لميزان حرب يُدار خارج الإرادة الفلسطينية، وفق إيقاع واشنطن وتل أبيب في صراعهما مع طهران. كما أن غياب وحدة القرار الفلسطيني، وتآكل القدرة المؤسسية، وافتقار اللجنة لأدوات فعل حقيقية، حوّلها إلى إطار إداري بلا قدرة تنفيذية، في لحظة تحتاج إلى قرار سياسي سيادي وأدوات ميدانية فاعلة.

في موازاة ذلك، تبدو السلطة الفلسطينية غائبة فعليًا عن أي دور في إدارة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، أو التأثير في مسارها، في وقت يتقاطع فيه هذا الغياب مع عجزها في الضفة الغربية، حيث تمارس دورها الرسمي دون أن تتمكن من الوفاء بالتزاماتها الأساسية، سواء في تأمين الحد الأدنى من الأمن المعيشي، أو في حماية المواطنين من بطش جيش الاحتلال وارهاب عصابات المستوطنين، فضلًا عن عجزها الكامل عن مواجهة الاستفراد الإسرائيلي بالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية.

مسارات الحرب: من التسويات الجزئية إلى حافة الفوضى

في ضوء هذا الواقع المركب، لا يمكن قراءة الحرب بوصفها مسارًا واحدًا، بل كجملة من السيناريوهات المفتوحة التي تعيد تعريف شروط الصمود الفلسطيني وموقع القضية في الإقليم.

تتجه الحرب، في هذا الإطار، نحو ثلاثة مسارات رئيسية، لا تقتصر نتائجها على التوازنات الإقليمية، بل تمتد مباشرة إلى شروط الصمود وإعادة تشكيل المصير الوطني الفلسطيني:

أولًا، تسوية جزئية قد تفرض قيودًا مؤقتة على البرنامج النووي الإيراني، لكنها تُبقي جذور الصراع قائمة، دون إعارة أي اهتمام لمعالجة أزمات غزة أو وقف التدهور السياسي والاقتصادي في الضفة، ما يعني استمرار الضغط على الحياة اليومية، وتعميق الفجوة بين الواقع المعيشي والتمثيل السياسي.

ثانيًا، حرب استنزاف طويلة تستمر فيها المواجهة دون حسم، بما يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع الإحساس بالأمان، وتآكل قدرة المجتمع على الصمود، مع احتمالات متزايدة للهجرة، وتدهور الخدمات، وانهيار ما تبقى من قدرة مؤسسية على إدارة الأزمات.

ثالثًا، تصعيد إقليمي محدود قبل الفوضى الشاملة، حيث تتسع دائرة المواجهة لتشمل أطرافًا إضافية، بما يفرض ضغوطًا أكبر على الاقتصاد والأمن والطاقة، ويزيد من عزل الحالة الفلسطينية، دون الوصول إلى انفجار شامل، لكنه يهيّئ له.

القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات هو غياب الحسم، ما يجعل أي ترتيب إقليمي هشًا، ويُبقي الباب مفتوحًا أمام جولات صراع لاحقة، ويؤكد في الوقت ذاته أن الفرصة الفلسطينية تظل مرهونة بقدرتها على توحيد الكيانية الوطنية، وإعادة بناء مؤسساتها، ومواجهة حرب الاستيطان ومحاولات فصل القطاع عن الكيانية الوطنية.

تفاعلات القوى: من يوجّه المسارات؟

غير أن هذه المسارات لا تتشكل بذاتها، بل عبر تفاعلات القوى الفاعلة وحدود قدرتها على توجيه الحرب أو احتوائها.

تتشكل مسارات الحرب ضمن تفاعل معقد بين الأطراف، حيث يسعى كل منها إلى توجيهها بما يخدم مصالحه، دون امتلاك القدرة على الحسم الكامل.

تعمل إسرائيل، في هذا السياق، على توظيف موقعها داخل منظومة القرار في واشنطن للتأثير في حدود أي تسوية محتملة، أو الدفع نحو إطالة أمد الصراع إذا تعارضت مخرجاته مع أهدافها، مع احتفاظها بخيار فرض الوقائع الميدانية بالقوة.

في المقابل، تميل الولايات المتحدة إلى إدارة الصراع أكثر من حسمه، عبر البحث عن تسوية قابلة للاحتواء تقلّص المخاطر وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع، غير أن هذا التوجه يبقى مقيدًا بتشابك المصالح مع إسرائيل وباعتبارات الاستقرار الدولي والطاقة.

أما إيران، فتتعامل مع الحرب كمسار مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين القبول بقيود مرحلية، أو الانخراط في استنزاف طويل، أو توسيع الاشتباك بشكل محسوب، بما يحفظ موقعها الإقليمي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

في حين تعتمد الدول العربية مقاربة براغماتية حذرة تركز على احتواء التداعيات وحماية الاستقرار الداخلي، دون امتلاك القدرة على التأثير في جذور الصراع، خاصة في ظل غياب أفق حقيقي لحل القضية الفلسطينية.

وتواصل مصر دورها في ضبط إيقاع غزة ومنع الانفجار الإنساني، لكنها تبقى محدودة التأثير في رسم المسارات الإقليمية الأوسع، فيما يدرك الاتحاد الأوروبي ضرورة الربط بين المسار الإيراني والقضية الفلسطينية، دون امتلاك أدوات كافية لفرض هذا الربط.

ضمن هذه التفاعلات، تتحدد حدود كل سيناريو، كما تتحدد معها هوامش الفعل الفلسطيني، اتساعًا أو انكماشًا، تبعًا لقدرة الفلسطينيين على قراءة هذه التوازنات والتأثير فيها.

التباين الأميركي–الإسرائيلي: تكتيك أم فجوة استراتيجية؟

وفي هذا السياق، يبرز التباين بين واشنطن وتل أبيب بوصفه عاملًا مفصليًا في ترجيح مسارات الحرب.

كما أظهرت تجارب سابقة، فقد تمكنت إسرائيل من فرض رؤيتها العملية، بل وفرض وقائع ميدانية تجاوزت ما نصّت عليه الاتفاقات، بما في ذلك ما أعقب تفاهمات شرم الشيخ لوقف الحرب على غزة، وما سبقه من اتفاق وقف الحرب على الجبهة اللبنانية، فإن التباين القائم اليوم في أهداف ومسار الحرب على إيران يُعد من أهم محددات مستقبل الإقليم.

فبينما تسعى واشنطن إلى تسوية قابلة للاحتواء تضبط البرنامج النووي الإيراني وتحدّ من المخاطر، تعمل تل أبيب على توسيع أهدافها باتجاه إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية عبر إضعاف خصومها وفرض وقائع جديدة.

السؤال الجوهري ليس وجود التباين، بل قابليته للتحول إلى خلاف استراتيجي: هل تكتفي واشنطن باتفاق جزئي، فيما ترى إسرائيل أن الخطر لم يُعالج؟

وفي حال تحوّل هذا التباين، هل يفتح نافذة لإعادة ترتيب الأولويات، أم يؤدي إلى إدارة صراع مفتوح يُبقي القضية الفلسطينية على الهامش؟

في جميع الأحوال، سيبقى أثر هذا التباين مباشرًا على المصير الفلسطيني، صعودًا أو تراجعًا، وفق قدرة الفلسطينيين على استثماره أو التأثر به.

الواقع الفلسطيني: أزمة واحدة بصورتين

وينعكس ذلك كله بوضوح في الواقع الفلسطيني ذاته، الذي لم يعد يحتمل مزيدًا من التفكك. فغزة تعيش انهيارًا شاملاً في الخدمات، في ظل غياب السلطة الفعلي، واستمرار الحصار والتدمير، ما يضعها خارج أي معادلة سياسية فاعلة رغم مركزيتها، في وقت تواجه السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية حالة انهيار متدحرجة، مع عجز تام عن توفير الحد الأدنى من الأمان ومن مقومات صمود المواطنين في مواجهة تصاعد ارهاب عصابات المستوطنين وبطش جيش الاحتلال. هذا التباين لا يعكس اختلافًا بقدر ما يعكس وحدة الأزمة بأشكال مختلفة، ويؤكد أن غياب الفعل الوطني المنظم هو العامل الحاسم في تعميق الهشاشة الفلسطينية.

الفرصة الفلسطينية: من التلقي إلى الفعل

ورغم ذلك، فإن هذه الهشاشة لا تلغي إمكانية الفعل، بل تجعلها أكثر إلحاحًا. فرغم قتامة المشهد، ما تزال الفرصة قائمة، لكنها لم تعد تلقائية، بل مشروطة بقدرة الفلسطينيين على إعادة بناء كيانيتهم السياسية الجامعة، والانتقال من موقع التلقي إلى الفعل.

يتطلب ذلك مسارًا عمليًا متكاملًا يبدأ بإعادة تشكيل الكيانية الوطنية على قاعدة وحدة حقيقية تنهي الانقسام، وتعيد الاعتبار لتمثيل سياسي جامع، بالتوازي مع بروز قيادة قادرة على قراءة التحولات الدولية والإقليمية والتفاعل معها بفعالية.

كما يستدعي بلورة استراتيجية نضالية متكاملة تربط بين السياسي والدبلوماسي والحقوقي، وتعيد وضع القضية الفلسطينية في مركز أي ترتيبات إقليمية، بدل بقائها على هامشها. وفي هذا السياق، يصبح التمثيل الدولي أداة لتحويل التعاطف والتضامن إلى ضغط سياسي ملموس.

غير أن ذلك كله يبقى مرهونًا بإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية كركيزة للصمود المجتمعي، قادرة على تأمين الحد الأدنى من الأمان المعيشي وتعزيز ثقة المواطن، بما يحوّل البعد الاجتماعي إلى عنصر قوة في الفعل السياسي.

 بين مسارات الحرب وإرادة الفعل الفلسطيني

في المحصلة، لا تُقاس هذه الحرب بنتائجها العسكرية فقط، بل بما ستتركه من إعادة تشكيل للإقليم، وبالموقع الذي سيشغله الفلسطينيون في هذا التحول.

غزة ليست هامشًا، بل مركز الاختبار الأخلاقي والسياسي، وأي تسوية تتجاوزها لن تكون أكثر من هدنة مؤقتة. كما أن التباين بين واشنطن وتل أبيب، مهما بلغ، لن يتحول إلى فرصة دون قدرة فلسطينية على استثماره. يبقى السؤال الحاسم: هل يمتلك الفلسطينيون القدرة على التحول من موقع التأثر إلى موقع التأثير، في لحظة تعاد فيها صياغة الإقليم؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...