الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:11 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:01 PM
العشاء 8:17 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

حرية الرأي واستقلال القرار ، من إرث التأسيس إلى تحديات الواقع

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

بين إرث التأسيس الوطني وتحديات الواقع السياسي الراهن ، تبرز مسألتا حرية الرأي وأستقلال القرار الوطني بوصفهما معياراً حقيقياً لقياس متانة نظامنا السياسي وقدرته على الصمود .
إن صون حرية الرأي والتعددية السياسية لا يُعد مسألة هامشية في إطار النظام الديمقراطي ، بل يشكّل ركناً أصيلاً من أركان مشروع التحرر الوطني ، إذ لا يمكن لشعب يناضل من أجل إنهاء الأحتلال وصولاً الى حريته واستقلاله أن يقبل بتقييد صوته أو مصادرة إرادته الداخلية . 

فالديمقراطية ليست مجرد آلية إجرائية تُختزل في الانتخابات ، بل هي تعبير عن حيوية المجتمع وقدرته على إنتاج الوعي والموقف والتفاعل السياسي والاجتماعي الذي يقود الى التطور والتقدم بفعل المشاركة السياسية الواسعة في قضايا الوطن والمجتمع ، من خلال تكامل أدوار القوى السياسية والمجتمعية والأهلية والمؤسسة الرسمية دون ضرورات التوافق وتبعية الرأي ، حيث للمؤسسة الرسمية التزاماتها التي لا تلزم المجتمع المدني والأفراد بها ، في ظل أحترام الرأي والرأي الآخر تحت سقف تشريعاتنا الوطنية  .
وقد تجسّدَ هذا الفهم بوضوح في “وثيقة إعلان الأستقلال” عام ١٩٨٨ ، 
"أن دولة فلسطين تقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب وصون الكرامة الإنسانية والمساواة الكاملة بين المواطنين ، في ظل نظام ديمقراطي يحترم التعددية ويكفل حقوق الجميع" . ومن هنا ، فإن التمسك بهذه المبادئ اليوم يشكل ضرورة وطنية لتعزيز صمودنا الداخلي ، وحماية وحدتنا ، وتحصين جبهتنا في مواجهة الأحتلال ومشاريعه وما يجري من حرب عدوانية أمريكية إسرائيلية لمحاولة تشكيل وهندسة المنطقة بما يخدم استمرار الهيمنة الإستعمارية وتقويض أسس قضيتنا التحررية والمصالح الحقيقية لشعوبنا العربية التي تشكل لنا عمقا قوميا الى جانب قوى التحرر والتقدم بالعالم التي انتصر لقضيتنا وفي معاداة سياسات الولايات المتحدة وجرائمها بالشراكة الإستراتيجية مع اسرأئيل .

 هذا الفهم ، إلى جانب التجربة الوطنية الطويلة لحركتنا الوطنية في مناهضة الأحتلال ، يفترض انه شكل قاعدة صلبة لبناء نظام سياسي يعكس طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والأستقلال وفي ادراك دورنا ومكانتنا الى جانب قوى التحرر العالمية منذ ان حملت رايتها ثورتنا المعاصرة .
غير أن هذه القيم لم تكن منفصلة عن السياق السياسي الأوسع الذي تأسست فيه ، بل ارتبطت عضوياً بمبدأ استقلالية القرار الوطني الفلسطيني ، الذي شكّل أحد أهم مرتكزات الرؤية السياسية التي تبنّتها حركة "فتح" منذ سبعينات القرن الماضي ، وسعت إلى تكريسها عبر مسيرتها ، إدراكاً منها أن الحفاظ على التعددية والحرية لا يمكن أن يتحقق دون إرادة سياسية مستقلة ، قادرة على اتخاذ القرار الوطني بعيداً عن الضغوط والارتهانات الخارجية .

وقد شَكل هذا التلازم بين الحرية والأستقلال أحد أبرز معالم التجربة التي قادها المؤسس الراحل ياسر عرفات ، الذي عمل على تحقيق توازن دقيق بين الأنفتاح على العمق العربي والدولي ، وبين الحفاظ على خصوصية القرار الوطني واستقلاله  ، بما يضمن بقاء القضية الفلسطينية إطاراً للتحرر ، لا أداة ضمن حسابات الآخرين .

إلا أن هذا التوازن تعرّض خلال السنوات الماضية لتحديات عميقة ، بفعل التحولات الإقليمية والدولية ، وبفعل عوامل داخلية مختلفة ، في مقدمتها الأنقسام ، وتراجع دور المؤسسات الجامعة لمنظمة التحرير  ومكانة الفصائل والقوى ، وتزايد تأثير المحددات الخارجية على القرار الوطني . وهو ما انعكس بدوره على الحالة الداخلية ، حيث أصبحت بعض أشكال الإختلاف بالرأي الوطني موضع توتر وخلاف ، بدلاً من أن تكون مصدر غنى وقوة للقرار المستقل المستند الى وطنية الوحدة .

إن العلاقة بين استقلال القرار وحرية الرأي هي علاقة بنيوية جدلية لا يمكن الفصل بينها ، فكلما تراجع الأول ، تضررت الثانية ، وكلما تعززت الحرية والتعددية في داخل البيت الوطني ، شكّلت رافعة حقيقية لاستعادة القرار الوطني المستقل . 

ومن هنا ، فإن الدفاع عن حرية التعبير لا ينبغي أن يُنظر إليه كمطلب حقوقي فحسب ، بل كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية واسعة ، تستند إلى الشراكة والتعددية واحترام الإرادة الشعبية باعتبار ان الشعب هو مصدر السلطات ، كما ونصوص بنود القانون الأساسي والعهد الدولي لحقوق الانسان الذي تلتزم به دولة فلسطين ، وحتى بنود القانون الأساسي المؤقت لدولة. فلسطين المعروض لآليات النقاش بقرار من الاخ الرئيس أبو مازن .

إن ما نواجهه اليوم من تحديات ، في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من ضغوط ومحاولات تفويض دور السلطة الوطنية كرافعة للمشروع التحرري من جهة ، ولإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشاريع الهيمنة الأمريكية الأسرائيلية التي تجري بأشكال الحروب والتوسع الاستيطاني والتطهير العرقي من جهة اخرى ، يستدعي منا العودة إلى جوهر مشروعنا الوطني التحرري ، وإلى المبادئ التي شكلت أساس انطلاقته ، وفي مقدمتها استقلالية القرار الوطني وصيانة الحريات العامة ، بوصفها الضمانة الحقيقية لصون وحدتنا الداخلية وتعزيز صمودنا .

وفي هذا السياق ، فإن أي إجراءات تمس بحرية الفكر والتعبير ، بما في ذلك حالات الأعتقال على خلفية الرأي ، تثير القلق وتستدعي مراجعة مسؤولة ، حفاظاً على الثقة الوطنية بين شعبنا وقيادتنا السياسية ووحدة الصف في أطار منظمة التحرير الفلسطينية وتراث حركتنا الوطنية .

فالحفاظ على حرية الرأي ، واحترام التعددية ، ليست خياراً سياسياً هامشياً ، بل شرطاً ضرورياً لبناء جبهة داخلية متماسكة وضرورة للأرتقاء بدور منظمة التحرير كجبهة وطنية واسعة ممثلاً وحيداً وشرعياً ، قادرة على مواجهة التحديات والدفاع عن حقوق شعبنا واستعادة زمام المبادرة في معركة الحرية والأستقلال الوطني .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...