الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:08 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:03 PM
العشاء 8:19 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

عن الهوية الوطنية وعن الأردن الشقيق

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

الهوية الوطنية كما هي الهوية الشخصية، لا تشبه قطرة مطر تسقط من السماء، طاهرة وصافية، الهوية الوطنية تتخلق في جغرافيا تضيق وتتسع، وضمن تحديات وتجارب، وتحرسها رموز عالية من الشخصيات الكاريزماتية التي تمنح المعنى والمضمون، ولأن الهوية الوطنية كما الهوية الشخصية، تتعاطى مع الآخرين وتتأثر بهم وتضع حدودها بالعلاقة معهم، لذلك فإن الهوية الوطنية لا تخص عائلة أو قبيلة أو طائفة أو عرق أو دين، فهي التعريف الذي يعطي كل هؤلاء موقعاً وحصة ودور، هذه هي الدولة الحديثة التي تقوم على المواطنة الكاملة والمتساوية والقانون الذي يحقق العدالة وتكافؤ الفرص.

والهوية الوطنية تفترض ذاكرة مشتركة، والأهم تكوين صورة عن الذات تحدد مقولاتها ومرجعياتها وتحدد أيضاً أهدافها، لا توجد هوية وطنية بدون مستقبل وبدون مهمات وأدوار روحية وإنسانية، ولأن الهوية الوطنية ليست ثابتة، بل هي متحركة ومرنة تتغير بتغير الزمن والنخبة والتحديات، فإن هذه الهوية قادرة على الاستيعاب والاحتواء والهضم والفرز والمرونة الكافية للبقاء والاستمرار، بكلمات أخرى، الهوية الوطنية رؤية للذات الجمعية، متغيرة ومرنة، ولكنها صلبة بما يكفي للبقاء أيضاً.

وبهذا المفهوم، فإن الهوية الوطنية ليست صنماً للعبادة ولا جوهراً ثابتاً ولا مفهوماً مطلقاً، بل هي منتج جمعي لحماية الجماعة أو الشعب، وقد تكتسب، لظروف خاصة، قدسية ما أو تابو يمنع المساس بها، ولكنها في نهاية الأمر سلاح حقيقي للضبط وعدم الذوبان والشعور بالتميز، وقد يبدو مفهوم الهوية الوطنية مفهوماً أقرب إلى مفاهيم تخص عصوراً مضت، ذلك أن الدول الحديثة – الغربية على الخصوص – تحاول أن تجعل من هذا المفهوم أكثر عصرية بادعاء الحقوق المتساوية والمواطنة الكاملة وإسقاط الانتماءات الفردية أمام الحقوق الدستورية، ولكن ذلك لا يمنع أنّ هذه الدول تنحاز لتاريخها ولرؤيتها لذاتها، وفي ذلك خيانة للدولة العلمانية الحداثية أو سقوط لها، وهذا كلام يطول الكلام فيه.

أقول ذلك كفلسطيني يعاني شعبي التمزق والتفكك والإنكار والتغييب والتهميش والتشرد والفقر والحصار، يعيش في حالة من غياب الأرض والسيادة وكذلك الشعب الذي يعيش معظمه خارج أرضه التاريخية، لنتصوّر إذن كمية العذاب النفسي والروحي والفعلي لتجسيد هوية وطنية جامعة، يضطر الفلسطيني إلى اختراع هوية متخيّلة يصوغها الألم والعذاب وغياب المكان، هوية يخلقها التوجّس والريبة أو سوء الاستخدام أو الاستغلال أو التوظيف، فالشعب الذي يُطرد من وطنه مضطر إلى خلق ما يعوض به عن غياب هويته الوطنية أو ما يعتقد أنه يجسّدها من خلال

خيارات صائبة أو خاطئة، الهوية الوطنية المتخيّلة لا تكفي حقاً، لابد من أرض لتجسيد الهوية، لابد من مرجعيات وأُطر وقوانين وخلق مزاج عام وثقافة مشتركة، وقد نجحت الثورة الفلسطينية في ذلك جزئياً، ولكن الأمور لم تصل إلى مالاتها رغم النوايا الحسنة.

ولأننا شعب عربي ومسلم، فإن الهوية الوطنية لا تكتمل إلا بهذه الهوية الجامعة، بحيث لا يكون هناك تعارض أو تناقض بين الأمرين، وهو ما يعني أننا لا نجد حرجاً في التكامل والتعاون وحتى الوحدة مع الشعوب العربية الأخرى، القريبة والبعيدة، وعلى رأس ذلك كله وفي مقدمته العلاقة مع الأردن الشقيق الذي نريده قوياً وحراً وسيداً ومستقراً وآمناً، فنحن شعبان متداخلان لا يمكن لأي منا أن يسرد قصته الوطنية دون إشراك الآخر، فما كان بيننا من محطات مشتركة سيكون مثلها في المستقبل، ليس بسبب الجغرافيا فقط، وإنما بسبب الدم والنسب والقدر والمصلحة، فنحن أقوياء بالأردن الشقيق والأردن قوي بنا، لا يمكننا استبعاد هذا الشعب الحر ولا عزله أو تجاهله، فقد شارك في صنع تاريخنا، كما لا يمكنه عزل أو استبعاد الشعب الفلسطيني الذي أصبح جزءاً من الأردن الحديث، العلاقة ليست علاقة مصلحة، وإن بدت كذلك، وليست علاقة جبرية أو اضطرارية بقدر ما هي علاقة مصير واحد، فالمرجعيات واحدة والذاكرة واحدة، والأهم من كل ذلك، الضرر والتحدي والألم واحد، الهوية الوطنية الأردنية هي هوية جامعة شاملة غير إقصائية ولا انتقائية كما هي الهوية الوطنية الفلسطينية، هوية إنسانية عربية صاعدة ومتصاعدة، تتكامل بالوحدة والعمل المشترك، وما عدا ذلك مجرد زَبَد يذهب جفاء.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...