الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:08 AM
الظهر 12:44 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:03 PM
العشاء 8:19 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

من التفاوض إلى الغزو: هل أمريكا على حافة مواجهة برية مع إيران؟

الكاتب: نبهان خريشة

ما نقلته صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين بشأن استعداد وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) لعملية برية محتملة ضد إيران، ربما تستهدف جزيرة "خارك" الإيرانية، لا يمكن قراءته كخبر عابر، بل كمؤشر على تحول خطير في طبيعة الصراع بين واشنطن وطهران، من حرب ظل وحرب اقتصادية وعمليات محدودة إلى احتمال مواجهة عسكرية مباشرة على الأرض، حتى لو كانت محدودة جغرافيا وزمنيا. فمجرد التفكير بعملية برية، حتى لو استمرت شهرين فقط ولم تكن غزوا شاملا، يعني أن منطق الاحتواء والتفاوض غير المباشر قد فشل، وأن خيار القوة العسكرية عاد ليتقدم على خيار الدبلوماسية.

فإذا جرى تنفيذ مثل هذه العملية، فإن ذلك سيعتبر تصعيدا للحرب وليس إحتوائها، خصوصا إذا تزامنت مع استمرار المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن. وهنا ستظهر هذه الخطوة، في نظر الإيرانيين وكثير من دول العالم، باعتبارها دليلا على ما يرونه سلوكا قائما على الخداع السياسي، أي التفاوض بيد، واستخدام القوة باليد الأخرى. هذا النمط ليس جديدا في السياسة الأمريكية، لكنه يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق بإيران، التي ترى في أي تحرك عسكري محاولة لإسقاط النظام أو إضعافه استراتيجيا، وليس مجرد عملية محدودة ذات أهداف تكتيكية. ولذلك فإن تنفيذ عملية برية خلال فترة مفاوضات، أو بعد مفاوضات لم تنته رسميا، سيفسر في طهران على أنه محاولة لفرض شروط بالقوة، وليس للوصول إلى تسوية سياسية.

أما الرهان على أن أي عملية برية محدودة لن تواجه مقاومة كبيرة، فهو رهان مشكوك بصحته. فإيران ليست دولة صغيرة أو جيشا بلا خبرة، بل تمتلك قوات برية كبيرة، وحرسا ثوريا، وقوات تعبئة (البسيج)، وخبرة طويلة في الحروب البرية غير النظامية والنظامية على حد سواء. هذه الخبرة تعود أساسا إلى الحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وهي واحدة من أطول وأقسى الحروب التقليدية في القرن العشرين. خلال تلك الحرب خاضت القوات الإيرانية معارك استنزاف طويلة، ومعارك خنادق، وهجمات بشرية، وعمليات تسلل، وحرب مدن، واكتسبت خبرة في القتال في ظروف صعبة مع نقص في السلاح والتكنولوجيا. هذا النوع من الخبرة يجعل أي قوة برية أجنبية تفكر كثيرا قبل الدخول في مواجهة على الأرض، حتى لو كان الهدف جزيرة محدودة المساحة مثل جزيرة "خارك".

الحديث عن عملية برية محدودة تنفذها قوات العمليات الخاصة ووحدات مشاة يعيد إلى الأذهان عملية "مخلب النسر" الأمريكية الفاشلة في إيران في عام 1980، عندما حاولت  قوة الكوماندوز الأمريكية " دلتا" تنفيذ عملية إنقاذ للرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران. تلك العملية انتهت بكارثة في صحراء "طبس" بعد اصطدام مروحيات وطائرات ومقتل ثمانية جنود أمريكيين، وفشلت المهمة بالكامل. تلك العملية أصبحت مثالا كلاسيكيا في الأكاديميات العسكرية على مخاطر العمليات الخاصة المعقدة في بيئة معادية وبعيدة جغرافيا، وعلى أن التفوق التكنولوجي لا يضمن النجاح دائما في العمليات البرية المحدودة. صحيح أن الجيش الأمريكي اليوم أكثر تطورا بكثير مما كان عليه عام 1980، لكن الجغرافيا الإيرانية، والقدرات الصاروخية الإيرانية، وانتشار القوات الإيرانية على الساحل وفي الجزر، تجعل أي عملية برية، حتى لو كانت محدودة، عملية معقدة وخطرة.

إن جزيرة "خارك" ليست مجرد جزيرة صغيرة يمكن احتلالها بسهولة ثم الانسحاب منها، بل هي شريان النفط الإيراني الرئيسي، حيث يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية، وتحتوي على مرافق تحميل وتخزين وموانئ نفطية وبنية تحتية استراتيجية. فالسيطرة على الجزيرة تعني عمليا خنق صادرات النفط الإيرانية، أي ضرب أحد أهم مصادر دخل الدولة الإيرانية. لكن مثل هذه الخطوة لن تمر دون رد. فمن المرجح أن إيران، إذا تعرضت صادراتها النفطية لضربة مباشرة، سترد بضرب منشآت النفط في دول الخليج، سواء بشكل مباشر بالصواريخ والطائرات المسيرة، أو غير مباشر بواسطة حلفائها في المنطقة. عندها لن تكون الأزمة إيرانية-أمريكية فقط، بل أزمة طاقة عالمية، لأن أي توقف كبير في إنتاج أو تصدير النفط من الخليج سيؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار النفط، وربما أزمة اقتصادية عالمية.

وهنا يدخل عامل آخر مهم، وهو البحر الأحمر وباب المندب. فإذا تزامن أي تصعيد في الخليج مع قيام حلفاء إيران في اليمن بإغلاق أو تهديد الملاحة في باب المندب، فإن العالم سيواجه عمليا أزمة مزدوجة في أهم ممرين لنقل النفط والتجارة في العالم: مضيق هرمز وباب المندب. عندها لن تكون الحرب محصورة في الخليج أو إيران، بل ستتحول إلى أزمة دولية كبرى تمس الاقتصاد العالمي بأكمله، من آسيا إلى أوروبا إلى الولايات المتحدة نفسها.

وبالنظر الى السيناريوهات المحتملة للتدخل البري الأمريكي، فيمكن تصور عدة سيناريوهات:

 السيناريو الأول، عملية محدودة جدا، تشبه عمليات الكوماندوز، هدفها تدمير منشآت أو صواريخ أو رادارات على الساحل الإيراني أو في جزيرة "خارك"، ثم الانسحاب بسرعة دون محاولة البقاء أو السيطرة الدائمة. هذا السيناريو هو الأقل خطورة عسكريا، لكنه قد لا يحقق هدفا استراتيجيا كبيرا، وقد يفتح الباب لرد إيراني مباشر أو غير مباشر.

السيناريو الثاني،  احتلال مؤقت لجزيرة "خارك"، أي إنزال قوات بحرية ومشاة بحرية للسيطرة على الجزيرة لأسابيع أو أشهر، بهدف وقف تصدير النفط الإيراني، واستخدام الجزيرة كورقة ضغط في المفاوضات. هذا السيناريو يعد الأخطر، لأنه يعني بقاء قوات أمريكية على أرض تعتبرها إيران جزءا سياديا من أراضيها، ما سيدفع إيران لمحاولة استعادة الجزيرة بالقوة أو استهداف القوات الموجودة فيها بالصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق السريعة.

السيناريو الثالث، عملية أوسع تشمل الساحل الإيراني المقابل للخليج، بهدف تدمير الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والقواعد البحرية للحرس الثوري، لتقليل قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز. هذا السيناريو قد يترافق مع ضربات جوية واسعة، وقد تشارك فيه دول حليفة للولايات المتحدة في المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر تقديم قواعد وموانئ ودعم لوجستي.

السيناريو الرابع، تدخل محدود بمشاركة أطراف إقليمية مثل إسرائيل وربما الإمارات والبحرين، بحيث لا تبدو العملية كأنها حرب أمريكية منفردة على إيران، بل كتحالف إقليمي دولي. إسرائيل قد تشارك عبر سلاح الجو أو الصواريخ أو الاستخبارات وربما بوحدات كوماندوز، بينما تستمر دول الخليج بتقديم المزيد من التسهيلات للقواعد عسكرية الأمريكية وموانئها والدعم اللوجستي. لكن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، لأنه سيحول الحرب إلى صراع إقليمي واسع، وقد يدفع إيران لاستهداف هذه الدول مباشرة، سواء بالصواريخ أو عبر حلفائها في المنطقة.

في جميع هذه السيناريوهات، تبقى المشكلة الأساسية أن الحروب لا تسير دائما وفق الخطط الموضوعة على الورق. عملية محدودة قد تتحول إلى حرب واسعة، وضربة موضعية قد تؤدي إلى ردود فعل متسلسلة تخرج عن السيطرة. التاريخ مليء بحروب بدأت بعمليات محدودة ثم تحولت إلى حروب طويلة ومكلفة. لذلك فإن أخطر ما في الحديث عن عملية برية محدودة ليس العملية نفسها، بل احتمال أن تكون بداية لسلسلة من التصعيد المتبادل الذي يصعب وقفه لاحقا.

إن أي تدخل بري أمريكي في إيران، حتى لو كان محدودا وفي جزيرة صغيرة، لن ينظر إليه في إيران ولا في المنطقة على أنه عملية تكتيكية محدودة، بل سينظر إليه على أنه غزوللأراضي الإيرانية. وعندما تبدأ المعارك البرية، فإن التحكم بمسارها ونتائجها يصبح أصعب بكثير من الغارات الجوية أو العقوبات الاقتصادية أو حروب الظل. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ عملية برية محدودة، بل ماذا سيحدث في اليوم التالي للعملية، وكيف سيكون الرد الإيراني، وهل ستبقى الحرب محدودة أم ستتحول إلى حرب إقليمية واسعة قد تغير شكل المنطقة بأكملها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...