في يوم الأرض: سؤال الفلسطيني الذي اختار الخارج
الكاتب: د. دلال صائب عريقات
في كل عام، يذكّرنا يوم الأرض بأن علاقة الفلسطيني بأرضه ليست مجرد علاقة جغرافيا، بل علاقة وجود وهوية ومعنى. ففي هذا اليوم نستحضر لحظة تاريخية أعلن فيها الفلسطيني أن البقاء على الأرض ليس خيارًا عاديًا، بل فعل مقاومة. الأرض ليست فقط مكانًا نعيش فيه؛ إنها الإطار الذي تتشكل فيه هويتنا السياسية والتاريخية والإنسانية.
لكن يوم الأرض يفتح أيضًا سؤالًا آخر، أكثر حساسية وأقل تداولًا في النقاش الفلسطيني: أين يقف القائد والمفكر والمبدع الفلسطيني الذي اختار أن يعيش ويعمل في الخارج؟
ليس سرًا أن الفلسطينيين في الشتات حققوا إنجازات استثنائية. في الجامعات الكبرى، وفي مراكز الفكر، وفي المؤسسات الدولية الفنية والثقافية والأكاديمية ، وفي الإعلام العالمي، ترك الفلسطينيون بصمات فكرية وسياسية وثقافية عميقة. لقد نجح كثير منهم في إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم، وفي كسر احتكار السردية الإسرائيلية في دوائر المعرفة والقرار.
من إدوارد سعيد الذي أعاد تشكيل النقاش العالمي حول الاستشراق والهوية، إلى ليلى شهيد التي لعبت دورًا بارزًا في الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا، إلى المؤرخ والمفكر وليد الخالدي الذي قدّم للعالم قراءة عميقة وموثقة لتاريخ فلسطين وصراعها.
هؤلاء وغيرهم من عمالقة الفكر والسياسة الفلسطينية قدموا الكثير للقضية الفلسطينية. لقد كانوا سفراء غير رسميين لفلسطين، ونجحوا في الدفاع عن حق شعبهم في ساحات لم يكن للفلسطيني فيها صوت مسموع.
لكن، رغم هذا الاعتراف الصادق بعظمة هذا الدور، يبقى سؤال عميق يفرض نفسه بهدوء: لماذا اختار كثير من القادة والمفكرين الفلسطينيين البقاء في الخارج؟
ليس الهدف من طرح هذا السؤال إصدار حكم أخلاقي. فلكل إنسان ظروفه وخياراته. وأنا شخصيًا جربت الحياة والعمل خارج فلسطين، وأعرف تمامًا ما يوفره الخارج من مساحات للحرية والإنجاز والتأثير. الخارج يمنح الأكاديمي الفلسطيني منصة عالمية، ويمنح الدبلوماسي مجالًا أوسع للحركة، ويمنح المفكر حرية أكبر في الكتابة والتأثير.
لكن مع مرور الوقت، يفرض الواقع الفلسطيني سؤال الحقيقة: هل يمكن لقضية مثل فلسطين أن تتحرر من الخارج؟
الدبلوماسية العامة مهمة، بل ضرورية. الدفاع عن الرواية الفلسطينية في الجامعات العالمية أو في الإعلام الدولي أو في مراكز القرار هو جزء أساسي من معركة الوعي. لكن هذه المعركة، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن معركة الوجود على الأرض.
فالقضية الفلسطينية ليست مجرد قضية رواية أو خطاب. إنها قضية شعب يعيش على أرض تحت الاحتلال، ويخوض يوميًا معركة البقاء والكرامة والسيادة في سباق معركة الوجود.
من هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل اختيار الخارج هو الخيار الأسهل أم الأصعب؟
الخارج قد يكون مساحة الإنجاز الفردي الأكبر، حيث تتوفر الإمكانات والمؤسسات والاعتراف العالمي. لكنه يخلق أيضًا مسافة -أحيانًا غير مرئية- بين القائد الفلسطيني والواقع اليومي لشعبه.
أما الداخل، فهو غالبًا الخيار الأكثر قسوة. هنا يعيش الفلسطيني تفاصيل الاحتلال، وضيق الإمكانات، وتعقيدات السياسة، وثقل المسؤولية اليومية. لكنه أيضًا المكان الذي تُصنع فيه الحقيقة الفلسطينية، بكل تناقضاتها وآلامها وإمكاناتها.
لهذا لا يمكن تبسيط المسألة إلى ثنائية صواب وخطأ. فالفلسطيني في الخارج قد يخدم قضيته بصدق وإخلاص. لكن في كثير من الأحيان يحدث أمر آخر: تتحول القضية إلى جزء من الهوية التي يعيش بها الفلسطيني في الخارج، بينما تبقى الأرض في حاجة إلى حضوره وخبرته وطاقته.
وهنا تظهر المفارقة العميقة في الهوية الفلسطينية المعاصرة: هل نحن شعب يقود قضيته من الخارج، أم شعب يبني مستقبله من الداخل؟
في الحقيقة، تحتاج فلسطين إلى الاثنين معًا. تحتاج إلى صوتها في العالم، كما تحتاج إلى عقولها وطاقاتها على أرضها. لكن التاريخ يخبرنا بحقيقة لا يمكن تجاهلها: لا تتحرر الشعوب من الخارج وحده.
التحرر يصنعه الناس الذين يعيشون على الأرض، ويبنون مؤسساتهم، ويواجهون واقعهم، ويحوّلون وجودهم اليومي إلى فعل سياسي مقاوم مستمر. هل يمكن أن تستمر فلسطين في خسارة عقولها وطاقاتها الكبرى إلى الخارج، بينما تحتاجها أكثر من أي وقت مضى في الداخل؟ السؤال دعوة للتفكير وربما سيأتي يوم يصبح فيه السؤال الحقيقي ليس لماذا نجح الفلسطيني في الخارج، بل متى سيعود هذا النجاح ليصنع التغيير في الداخل ؟
يوم الأرض هو مناسبة وطنية فلسطينية تُحيى في 30 آذار من كل عام، تخليدًا لذكرى انتفاضة عام 1976 داخل أراضي الـ48، حين خرج الفلسطينيون احتجاجًا على قرار مصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم في الجليل. فاندلعت مظاهرات وإضراب شامل، استُشهد 6 فلسطينيين وجُرح واعتُقل المئات، وشكّل الحدث نقطة تحوّل في الوعي الوطني الفلسطيني. يوم الأرض مهم لأنه يؤكد التمسك بالأرض والهوية ويرمز إلى الصمود والمقاومة في وجه المصادرة والاستيطان ويجسّد وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده. في يوم الأرض.. ليست الأرض مجرد تراب، بل ذاكرة وهوية وحق لا يُمحى.

